“الإنسانُ العاقِل” هل هو عاقلٌ حقاً؟

“الإنسانُ العاقل” مصطلحٌ خرجَ به علينا علماءُ أصلِ الإنسان (الأنثروبولوجيا)، وذلك في محاولةٍ من جانبِهم لتبيانِ أبرزِ ما يتمايزُ به الإنسانُ عن الحيوان. وإنَّ المرءَ لَيعجبُ كيف لم يجد هؤلاءِ العلماءُ في مصطلحِهم هذا ما يستدعي منهم وجوبَ الاستعاضةِ عنه بمصطلحٍ آخرَ هو الأقربُ إلى توصيفِ الإنسان على ما هو عليه حقاً وحقيقةً وليس كما يُريدُنا هؤلاء العلماءُ أن نشاركَهم ظنَّهم الواهمَ هذا. فهل “الإنسانُ العاقل” عاقلٌ حقاً؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن “نُحرِّرَ” مفهومَ “العقلِ” من كلِّ ما هو ذو صلةٍ بالإبداعِ والابتكارِ ومن كلِّ ما يقتضيه أمرُ صناعةِ المدَنيةِ والحضارة. فماضي الإنسان وحاضرُه يشهدان له بأنَّه أبعدُ ما يكونُ عن الاتصافِ بـ “العقلِ”، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بما يقتضيه هذا الوصف مما هو ذو صلةٍ بالمقدرةِ على اتِّخاذِ القراراتِ الصائبة والتوصُّلِ إلى الأحكامِ المناسبة! فالتاريخُ يشهدُ بأن ما من مخلوقٍ على هذه الأرضِ أفسدَ فيها وسفكَ الدماءَ كما فعلَ الإنسان. ويتكفَّلُ حاضرُ الإنسانِ بتقديمِ شهادةٍ تتوافقُ تمامَ التوافقِ مع شهادةِ التاريخ هذه. فما الذي نسمعُه في نشراتِ الأخبار، وما الذي نطالعُه في صحفِ الصباح، غيرُ ما سبقَ وأن فعلَه أسلافُنا من قتلٍ وبطشٍ وحروبٍ ومعارك؟! فـ “التاريخُ يعيدُ نفسَه” حروباً ومعاركَ وقتلاً وقتالاً وبطشاً وظلماً وجَوراً وفساداً! وبعد هذا كلِّه يريدُنا علماءُ أصلِ الإنسان أن نشتريَ أوهامَهم ونُصدِّقَ مزاعمَهم بأنَّ الإنسانَ كائنٌ يتمايزُ عن الحيوانِ بـ “عقلِه”! فما الذي جادَ به علينا عقلُ الإنسانِ غيرَ الكوارثِ والمآسي والفظائعِ التي لا يمكنُ لها أن تصدرَ عمَّن كان ذا عقلٍ يقولُ به علماءُ أصلِ الإنسان إنَّه يكفي ليتمايزَ به صاحبُه عن الحيوان؟!
فهل “الإنسانُ العاقلُ” بعد هذا، عاقلٌ حقاً؟!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s