أيُّهما أكثرُ عدواناً الإنسانُ أم الحيوان؟ ولماذا؟

خلقَ اللهُ تعالى الحيوانَ وجعلَهُ مُقيَّداً بضوابطَ ومُحدِّداتٍ لا يملكُ حيالها إلا أن يتقيَّدَ بما تُمليهِ عليه من دون أن يكونَ له ما يُمكِّنُه من الاشتطاطِ أو الطغيان خروجاً عليها يجعلُهُ يبالغُ في الأمرِ ويطغى. فالناظرُ إلى الطبيعةِ، بتفكُّرٍ وتدبُّر، لن يعجزَ عن أن يتبيَّنَ فيها كلَّ ما يشهدُ للحيوانِ بهذا الانضباطِ والالتزامِ بما فرضَهُ اللهُ تعالى عليه. وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (من 2 الفرقان)، (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) (من 8 الرعد)، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر) (49 القمر).
هذا فيما يخصُّ الحيوان. أما الإنسان، فهذا هو ما كان عليه الأمرُ أيضاً يومَ خلقَ اللهُ تعالى آدمَ فجعلَه إنساناً في أحسنِ تقويم. غيرَ أن الأمرَ لم يبقَ على حالِه، إذ سُرعانَ ما تعيَّنَ على الإنسانِ أن يخرجَ على الطبيعةِ وما بثَّهُ اللهُ تعالى فيها من قوانينَ إلهيةٍ تُنظِّمُ العلاقةَ بين كائناتِها حتى لا يطغى كائنٌ على آخر، فكان أن أصبحَ الإنسانُ عاجزاً عن “الإنصاتِ” لذلك “النداء الخفي” الذي تُحسِنُ الاستماعَ إليه كائناتُ الطبيعةِ كلُّها جميعاً عداه! ولقد تجلَّى ذلك العجزُ عن “الإصغاءِ” لهذا النداءِ اللطيفِ الخَفي فيما أصبحَ عليه الإنسانُ من “طغيانٍ” جعلَه يُفسِدُ في الطبيعةِ بهذا الإيغالِ من جانبِه في الولوغِ في دَمِ ضحاياه فرائسَ صَيدٍ كانت أم أعداءَ من بَني جِلدتِه متوَّهَمين كانوا أم حقيقيين!
ويشهدُ على ذلك تاريخُ الإنسانِ منذ وطأت قدماهُ الأرضَ بُعَيدَ عودتِه إليها من الجنةِ التي أُخرِجَ منها أبواه آدمُ وزوجُه. وما قصةُ إبنَي آدمَ منا بالنبأ البعيد! فما الذي جعلَ الإنسانَ عاجزاً عن “التناغُمِ” مع باقي كائناتِ الطبيعة؟ ولماذا أصبحَ الإنسانُ أكثرَ المخلوقاتِ عدوانية؟ وما الذي جعلَ الإنسانَ يُغالي في عدوانِهِ فساداً في الأرضِ وطغياناً؟ ولماذا قالَ اللهُ تعالى في الإنسان (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى) (6 العلق)؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذه الأسئلة، وعلى كلِّ سؤالٍ آخرَ ذي صلةٍ بطغيانِ الإنسان، أن نستذكرَ ما حدثَ للإنسانِ في الجنةِ التي أسكنَ اللهُ تعالى آدمَ وزوجَه فيها. فالقرآنُ العظيم يُخبِرُنا بأنَّ آدمَ وزوجَه أكلا من الشجرةِ التي كان اللهُ تعالى قد نهاهُما عنها، وأنَّهما ما أن أكلا منها حتى طفقا يخصفانِ عليهما من ورقِ هذه الجنة، وأنَّهما لم يطُل بهما المقامُ بعد ذلك فيها حيث أنَّ اللهَ تعالى أخرجَهما منها وأعادَهما إلى الأرضِ تارةً أخرى.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذا الذي ما كنا لنعلمَ عنه شيئاً لولا أنَّ اللهَ تعالى أنبأنا به في قرآنِهِ العظيم، أنَّ هنالك “أمراً ما” قد حدثَ للإنسانِ بأكلِ أبوَيه من تلك الشجرة حتَّمَ عليه ألا يبقى في تلك الجنة، فما الذي يحولُ دون أن نمضيَ قُدُماً في التفكيرِ فنُرجِعَ العلةَ من وراءِ هذا الذي عليه الإنسانُ من طغيانٍ في كلِّ شيءٍ يقومُ به، ومن ذلك العدوان، إلى ما تسبَّبت به تلك الشجرةُ من بعدِ أكلِ أبوَيه منها؟!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s