في معنى قوله تعالى “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ”

لماذا أمر اللهُ تعالى رسوله الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يقولَ لأزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن “يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ”؟
يُعين على الإجابةِ عن هذا السؤال أن نستذكر جملةً من “الحقائق التاريخية” ذاتِ الصلة بالسياق المكاني-الزماني الذي كان العلةَ من وراءِ صدور أمر الله تعالى هذا:
1- لقد نزلت هذه الآيةُ الكريمة في “يثرب المنورة” ولم تنزل في مكةَ المكرمة.
2- كان مجتمعُ “يثرب” المتحرر يختلفُ اختلافاً جذرياً عن مجتمع مكة المحافظ، وذلك على قَدرِ تعلق الأمر بالتركيبة السكانية لكلا المدينتين.
3- فبينما لم يكن في مكةَ المكرمة تنوعٌ ديني-قومي، تميزت يثربُ بمجتمعها المتعدد الأعراق والقوميات والديانات.
4- كان الناسُ في مكةَ يوقنون بأنهم في بلدِ الله الحرام الذي فيه بيتُه المحرم. ولقد حتم ذلك عليهم وجوبَ أن يتحلى الواحدُ منهم بكل ما من شأنه أن يجعل منه مضطراً الى التقيدِ ب “عاداتٍ وتقاليد” لا محيص له عن الالتزام بها حتى لا يقعَ في محظور المخالفةِ عن الإجماع القبلي-العشائري الذي رسخت سطوتَه على مكةَ وأهلِها عشراتُ القرونِ من المتابعة الحثيثةِ على نهج إبراهيمَ وبَنيه شِرعة ومنهاجاً يقتضيان من المرء، مُقيماً كان أم وافِداً، أن لا يخرُج بحالٍ عن العِرف السائد والسياق المتوارَث في التعاملِ مع نساءِ مكةَ إجلالاً لهن واحتراماً وتقديراً. 
5- قارن هذا كلَّه بما كان عليه الحالُ في يثربَ التي نشأت مدينةَ أسواقٍ يتوافدُ إليها التجار في طريق ذهابهم الى بلادِ الشام وبلاد اليمن. فمجتمعُ يثربَ كان يعُجُ بمن هَبَّ ودَبَّ من الأُناس الذين لم يكن ليردَعهم رادعٌ من حرمةٍ أو خوفٌ من وقوعٍ في معضلةٍ عن التحرش بمن كان يعمُر أسواقَ يثربَ من نساءِها.
وهكذا، وبتدبر ما تقدم، يتبين لنا، أن العلةَ من وراءِ أمرِ الله تعالى لرسوله الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يقولَ لأزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن “يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ” هي حتى يتمايزوا عن نساء يثربَ ف “يُعْرَفْنَ” على أنهن “حرماتٌ” من غير الجائز أن يتعرضَ لهن أحدٌ “فَلَا يُؤْذَيْنَ”. 
وهكذا يتبين لنا أن المقصود من وراءِ هذا “التمايزِ في الملبس” هو حتى يعلم “الذي في قلبه مرضٌ” أن التعرضَ لهؤلاء النسوة سيوقعُه تحت طائلةِ “نقض العهدِ” الذي كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد أبرمه مع زعامات يثرب بمختلفِ انتماءاتهم ومعتقداتهم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s