الآخر الذي عرَّفنا به قرآنُ الله العظيم هو غيرُ “الآخر” الذي عرَّفتنا به الفلسفة!

“الآخر” وفقاً لما تقولُ به الفلسفة المعاصرة هو كلُّ ذاتٍ غيرُ ذاتك. ولقد قضت مباحثُ فلسفيةٌ معاصرة بأنَّ المواجهةَ بين الذاتِ والآخر قائمةٌ لا محالة وأنها محتومةٌ وذلك تبعاً لما تسعى إليه كلُّ ذاتٍ إصراراً من جانبها على فرضِ وجودِها وإملاءِ إرادتِها وتغليبِ منطقِها.
ولقد جاءنا القرآنُ العظيم بتعريفٍ للآخر مغايرٍ لهذا الذي أوهمتنا الفلسفةُ المعاصرة بأنَّه تعريفُه الوحيد، وذلك بهذا الذي بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِ ما وردَ فيه من آياتٍ كريمة كشفت لنا النقابَ عن أنَّ الذاتَ ليست بحاجةٍ إلى أحدٍ آخرَ سواها حتى تحتدمَ المواجهةُ بينهما، وذلك طالما كان هذا الآخر يُشاركُ الذاتَ الكيان الإنساني ذاته.
يتبيَّنُ لنا مما تقدَّم أنَّ القرآنَ العظيم قد جاءنا بما هو كفيلٌ بأن يضعَ حداً للمواجهة القائمة بين الذات والآخر، وذلك بجعلِ هذه المواجهة تقومُ بين الإنسانِ وذاتهِ عوضَ قيامها بينه وبين مَن تُصوِّرُه له “نفسُه” على أنَّه “الآخر” العدو الذي يتوجَّب عليه مواجهتُه.
ومن هنا جاء تشديدُ القرآنِ العظيم على وجوبِ أن يجاهدَ الإنسانُ نفسَه المجاهدةَ التي وصفَها رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأنها “المجاهدةُ العظمى”. فالعدو يقبعُ داخلَ الإنسانِ لا خارجه، وألدُّ أعدائك كامنٌ داخلك لا خارجك، ونفسكَ هي مَن تطوِّعُ لك وتسوِّل بأنَّ عدوَّك في الخارج، وذلك حتى تنشغلَ به عنها فيطيبَ لها المقامُ طالما كنتَ في شُغُلٍ دائمٍ عنها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s