مَن هُم “هَٰؤُلَاءِ” في قَولِ اللهِ تعالى “فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ”؟

نقرأُ في سورةِ البقرة، وفي الآيةِ الكريمة 31 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). فمَن هُم “هؤلاءِ” الذين عرضَهم اللهُ تعالى على الملائكةِ وسألهم أن يُنبؤه بأسمائهم؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ السياقَ الذي وردت خلالَه هذه الآيةُ الكريمة، والذي يمتدُّ من الآيةِ الكريمة 30 من سورةِ البقرة وحتى نهاية الآيةِ الكريمة 39 منها. فتدبُّرُ هذا السياقِ القرآني الكريم يُبيِّنُ لنا أنَّ شخوصَ الوقائعِ التي يتحدَّثُ عنها هم الملائكةُ وآدمُ وزوجُه. فلقد علَّمَ اللهُ تعالى آدمَ أسماءَ الملائكةِ كلِّهم جميعاً، وفي المقابل فإنه تعالى لم يُعلِّم الملائكةَ إسمَي آدمَ وزوجِه. فلما عرضَ اللهُ تعالى آدمَ وزوجَه على الملائكةِ، سألهم أن يُنبؤهُ بإسمَيهما. فلماذا أشارَ اللهُ تعالى إذاً إلى آدمَ وزوجِه بصيغةِ الجمع (هؤلاء) وليس بصيغةِ المثنى؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى أنزلَ قرآنَه العظيم بلسانٍ عربي مُبين ليس له بالضرورةِ أن يتطابقَ مع ما تقضي به أحكامُ وقواعدُ اللسانِ العربي الذي شرعت العربُ تتحدثُ به بُعَيدَ مخالطتِها لكثيرٍ من الشعوبِ والقبائلِ والأقوامِ التي انتشرَ فيها الإسلامُ بعدَ أقلِّ من قرنٍ على ظهورِه. فلسانُ القرآنِ العربي المبين يُخاطبُ المثنى بصيغةِ الجمعِ أحياناً. لنتدبَّر الآيتَين الكريمتَين التاليتَين:
1- (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِين) (78 الأنبياء). فالقرآنُ العظيمُ هنا لم يقُل “وكنا لحكمِهما شاهدِين”، ولكنه قالَ “وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِين”.
2- (قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُون) (15 الشعراء). فاللهُ تعالى يُخاطبُ سيدَنا موسى وسيدَنا هارون هنا بصيغة الجمع وليس بصيغةِ المثنى.
وللقرآنِ العظيم أن يُشيرَ إلى المثنى بصيغةِ المثنى أحياناً: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) (من 85 الحجر)، كما يشيرُ إلى المثنى ذاته بصيغةِ الجمع في أحايينَ أخرى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ) (من 120 المائدة).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ الاحتجاجَ بقَولِه تعالى “أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ” ليس بالحجةِ التي بوسعِها أن تُفنِّدَ الرأيَ القائلَ بأن “هؤلاء” تُشيرُ إلى آدمَ وزوجِه، وذلك طالما كان القرآنُ العظيم يُشيرُ إلى المثنى بصيغةِ الجمعِ أحياناً.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s