في معنى قَولِ اللهِ تعالى “قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ”

شاعَ فينا وذاعَ ظنٌّ مفادُه أنَّنا غيرُ مُلزَمين بتدبُّرِ آياتِ القرآنِ العظيم مادمنا نقرأها ونتلوها ونرتِّلُها! صحيحٌ أنَّ اللهَ تعالى أمرَنا بأن نقرأَ قرآنَه: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (من 20 المزمل)، وأن نتلوَه حقَّ تلاوتِه: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ) (من 44 العنكبوت)، وأن نُرتِّلَه ترتيلا: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) (من 4 المزمل)، إلا أنَّ اللهَ تعالى قد أمرَنا أيضاً بأن نتدبَّرَ آياتِ قرآنِه العظيم: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (29 ص).
فتدبُّرُ القرآنِ العظيم لا تُغني عنه قراءتُه وتلاوتُه وترتيلُه، وذلك طالما كان في هذا التدبُّرِ ما هو كفيلٌ بتمكينِنا من أن نُقيمَ الحجةَ على كلِّ مَن زعمَ “أنَّ هذا القرآنَ هو ليس من عندِ الله”: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء). فكيف نُطالبُ “الآخرين” بأن يتدبَّروا القرآنَ ونحن ما تدبَّرنا آياتِه؟! أفلا يصحُّ فينا عندها قولُ اللهِ تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (24 محمد)؟!
فلو أنَّنا تدبَّرنا القرآنَ العظيم، هل كان المتطرفونَ ليفلحوا في الإيقاعِ بمَن اكتفوا بقراءةِ القرآنِ وتلاوتِه وترتيلِه، دون أن يتدبَّروا آياتِه، في حبائلِهم السامةِ المميتة؟! وهل كان المتطرفونَ لينجحوا في إقناعِهم بأن “يُقاتلوا في سبيلِ الله” المغلوبينَ على أمرِهم، ممَّن لم يُقدِّر اللهُ تعالى لهم أن يولدوا لآباءٍ مسلمين وأمهاتٍ مسلمات، فيقتلوهم شرَّ قِتلة ظناً منهم وتوهُّماً أنَّ في ذلك ما يُرضي اللهَ تعالى؟! فالمتطرفون يعتمدونَ القراءةَ غيرَ المتدبرةِ للآيةِ الكريمةِ 29 من سورة التوبة (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)، وذلك للإيقاعِ بمَن اكتفى بهذه القراءةِ ولم يُدرِك أنَّه بذلك ما قدرَ قرآنَ اللهِ العظيم حقَّ قدرِه إذ احتكمَ إلى هذه القراءةِ فحكَّمَها في الأمرِ من دونِ أن يحتكمَ إلى آياتٍ أُخَرَ لابدَّ من الاستعانةِ بها حتى لا تكونَ قراءتُهُ لهذه الآيةِ الكريمة تفتقرُ إلى التدبُّرِ الذي أمرَنا به اللهُ تعالى!
فنحن لن نُفلِحَ في تدبُّرِ الآيةِ الكريمةِ 29 من سورةِ التوبة حتى نقرأَها على ضوءٍ من هذه “الآياتِ الأُخَر”. ومن هذه الآياتِ قولُ اللهِ تعالى:
1- (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (190 البقرة).
2- (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) (193 البقرة).
3- (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (8 الممتحنة).
4- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (94 النساء).
فأيُّ رحمةٍ نريدُ أن نُسوِّقَها للعالمينَ بزعمِنا أنَّنا من أمةِ مَن أرسلَه اللهُ تعالى رحمةً للعالمين إذا كنا نُغلِّبُ العنفَ والعدوان على الدعوةِ إلى سبيلِ اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ والمجادلةِ بالتي هي أحسن؟! ولكنها الدنيا وقد تملَّكَ عشقُها من قلوبِ المتطرفينَ حتى نسوا اللهَ فأنساهم أنفسَهم بنسيانِهم أنَّ اللهَ إنَّما اختصَّ “أمةَ القرآنِ”، فجعلَها خيرَ أمةٍ أُخرجَت للناس تدعو إلى الخيرِ وتأمرُ بالمعروفِ وتنهى عن المنكر، وذلك بتمييزٍ لها عن أُمَمِ الأرضِ كلِّها جميعاً؛ تلك الأُممُ التي لن نتمايزَ عنها بشيءٍ يجعلُنا عند اللهِ تعالى أكرمَ منها إن نحنُ قلنا بما يقولون وفعلنا ما يفعلون وكفَّرنا المخالفَ ولم نُقدِّم له غيرَ “سيفِ الجبناء”! فالجبناءُ وحدَهم مَن يُحسنونَ قتلَ المخالفِ وإن لم يبادرهم بحربٍ أو قتال.
لقد أرسلَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم رحمةً للعالمين، فأينَ المتطرفونَ من هذه الرحمةِ وهم يدعونَ إلى قتالِ المخالفينَ حتى وإن كانوا غيرَ محاربين؟! وكيفَ يكونُ المتطرفون من “خيرِ أمةٍ أُخرجت للناس” وهم لا يقولونَ ولا يفعلونَ إلا ما يتناقضُ بالتمامِ والكليةِ مع توصيفِ اللهِ تعالى لخيرِ أمةٍ أُخرجت للناس؟! فهل المتطرفونَ يدعونَ إلى الخير؟! وهل هم يأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عن المنكرِ بهذا الذي يدعونَ إليهِ من قتلٍ للمخالفِ وإن لم يكن محارباً؟! لقد استحقَّ المتطرفون، بهذا الحقدِ الدفينِ الذي تمتلئُ به صدورُهم، مقتَ اللهِ تعالى! كيفَ لا وهم يقولونَ ما لا يفعلون؟! فلو كان المتطرفونَ يؤمنونَ باللهِ واليومِ الآخرِ حقاً لأطاعوا اللهَ ورسولَه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم ولَما جعلوا عِشقَ الدنيا وزُخرُفَها يتسلَّطُ عليهم فيُسيِّرُهم على طريقِ جهنمَ التي لن يُزحزَحوا عنها أبدَ الآبدين!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s