في معنى قَولِ اللهِ تعالى “مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ”

استفاضَ كفارُ قريش في إيرادِ ما ظنُّوا أنَّ بمقدورِهِ أن يُبرهنَ على أنَّ ما جاءهم به رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم من قرآنٍ هو ليس من عندِ الله. ويتبيَّنُ لنا مدى الضلالِ المبين الذي كان عليه القومُ، بعجزِهم عن أن يأتوا بـ “برهانٍ” يكفي للتدليلِ على أنَّ ما جاءهم به رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم هو ليس من عندِ الله، أن نتدبَّرَ الآياتِ الكريمةَ التالية:
1- (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا. وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (4- 5 الفرقان)، (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا. أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا) (7- 8 الفرقان).
2- (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) (4 ص).
3- (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) (36 الصافات).
4- (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُون) (29 الطور).
5- (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ. وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) (41- 42 الحاقة).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة، أنَّ كفارَ قريش لم يكن بمقدورِهم أن يلزموا حجةً واحدةً تؤيِّدُ زعمهم بأنَّ ما جاءهم به سيدُنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم هو ليس من عند الله. ولذلك قالَ اللهُ تعالى في هذا الذي كانوا عليه من ضلالٍ مبين: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) (9 الفرقان).
كما أنَّ اللهَ تعالى تعهَّدَ كلَّ زعمٍ من مزاعمِ القومِ بالدحضِ والتفنيد، ومن ذلك قولُه تعالى (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) (2 القلم). فتدبُّرُ هذه الآيةِ الكريمةِ يُبيِّنُ لنا أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم لم يكن “بنعمةِ الله” التي أنعمها عليه، وهي هنا القرآنُ الذي أُنزلَ عليه، “بمجنون”. فالقرآنُ العظيم هو نعمةُ الله التي أنعمها على رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم. ولأنه كذلك، فلا يمكنُ له صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، والحالُ هذه، أن يكونَ مجنوناً. فالعبارةُ القرآنيةُ الكريمة “بِنِعْمَةِ رَبِّك” تعني “هذا القرآن الذي أنزله اللهُ عليك”، وهي عينُ العبارةِ التي نقرأها في قولِه تعالى (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (11 الضحى). فاللهُ تعالى يأمرُ رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بأن يُحدِّثَ الناسَ بقرآنِه الذي أنزلَه عليه.
فالقرآنُ العظيم هو نعمةُ اللهِ على رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم وفضلُه العظيم (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (من 113 النساء).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s