أيُّهم أشدُّ خَلقاً الجِنُّ أَم الإنس؟

خلقَ اللهُ تعالى الإنسانَ من ترابِ هذه الأرض. والإنسانُ هو ليس أولَ “مخلوقٍ عاقلٍ” خلقَه اللهُ تعالى في هذه الأرض. فالقرآنُ العظيم يُنبؤنا بأنَّ اللهَ تعالى خلقَ الجنَّ قبل أن يخلقَ الإنس. والجنُّ مخلوقاتٌ عاقلةٌ تتمايزُ عن الإنسانِ بهذا الذي خُلِقت منه وهو نارٌ سمَّاها اللهُ تعالى “نارَ السَّموم”. وهذا هو ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) (26- 27 الحِجر).
2- (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّار. وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) (14- 15 الرحمن).
3- (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (12 الأعراف).
وإذا كان الجِنُّ قد خلقَهم اللهُ تعالى قبل أن يخلقَ الإنس، فإنَّ هذه “الأقدميةَ في الخلق” هي ليست الميزةَ الوحيدةَ التي يتمايزُ بها الجِنُّ على الإنس. فالجنُّ، وبسببٍ من المادةِ التي خلقَهم اللهُ تعالى منها، قد حباهم اللهُ تعالى بخِلقةٍ تُمكِّنُهم من القيامِ بما يعجزُ الإنسانُ عنه. فالجنُّ يفوقونَ الإنسانَ سرعةً وقوةً وشدةً ومَنَعة.
وعلى كلِّ مَن يُؤثِرُ الجدالَ العقيم على الإنصاتِ والتسليم لما جاءنا به القرآنُ العظيم أن يستذكرَ ما أنعمَ اللهُ تعالى به على سيدِنا سليمان من فضلٍ عظيم إذ سخَّرَ له من الجنِّ ما أنبأتنا سورةُ سبأ بشيءٍ مما كان بمقدورهم أن يفعلوه: (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) (من 12- من 13 سبأ). فالجنُّ الذين سخَّرهم اللهُ تعالى لسيدِنا سليمان، فجعلَهم من جُندِه الذين “لا يُقهَرون”، يُقدِّمون مثالاً على “الخَلقِ الشديد” الذي يتمايزُ به الجانُّ عن الإنسان: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) (17 النمل)، (فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا) (من 37 النمل).
ويكفي برهاناً ودليلاً على “الخَلق الشديد” الذي يتمايزُ به الجنُّ عن الإنس أن نستذكرَ أنَّ “عفريتَ الجنِّ” كان بمقدورِه أن يأتيَ بعرشِ ملكةِ سبأ من اليمنِ إلى فلسطين في بضعِ ساعات، وذلك من دون أن يستعينَ بشيءٍ غيرِ “بدَنِه” الذي خلقَه اللهُ تعالى به: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) (38- 39 النمل).
وعلى كلِّ مَن يستهجنُ الحقيقةَ ويستنكفُ عنها، لا لشيءٍ إلا لأنها تضطرُّهُ إلى أن ينظرَ إلى نفسِه لا كما يظنُّ ويتوهَّمُ ولكن كما يقتضيهِ الأمرُ إن كان هو حقاً باحثاً عنها كما يزعم، أن يتدبَّرَ الآيتَين الكريمتَين التاليتين:
1- (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ) (11 الصافات).
2- (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) (27 النازعات).
فتدبُّرُ هاتين الآيتَين الكريمتَين يُحتِّمُ علينا وجوبَ القولِ بأنَّ في السمواتِ والأرض ما هو “أشدُّ خَلقاً” من الإنسانِ الذي لن يُقرَّبَ من الحقيقةِ، ولن تقتربَ الحقيقةُ منه، إلا بمقدارِ نأيِه وابتعادِه عن كلِّ مَن يُزيِّنُ له أنَّه على شيءٍ من الجبروتِ والعظمة! فيكفي الإنسانَ ما يدعوه لأن يكونَ متواضعاً أن يستذكرَ قولَ اللهِ تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (من 28 النساء).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s