ما الذي قصدَ إليه سيدُنا إبراهيم بدعائهِ الله تعالى: “وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ”؟

“خُلِقَ الإنسانُ ضعيفاً” حقيقةٌ لم نكن لنُحيطَ بها لولا أنَّ اللهَ تعالى “علَّمنا ما لم نعلم”، وذلك بالقرآنِ الذي نزلَ به روحُه الأمين على قلبِ عبدِه ورسولِه سيدِنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم: (عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (من 239 البقرة)، (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا) (من 49 هود)، (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (5 العلق).
ومن بين مفرداتِ هذا الضعف الذي خُلِقَ به الإنسانُ عجزُهُ عن التصدِّي لنَزغِ الشيطان، ولما تُطوِّعُ له نفسُه القيامَ به من سيءِ الأعمال، ما لم يستعِن عليهما بما جاءَه به دينُ اللهِ تعالى مما لابد من الأخذِ به حتى يُمكَّنَ من نفسِه ومن الشيطان فلا يستطيعان إلى عقلِه سبيلاً. فالإنسانُ من دونِ أن يستعينَ بالاعتصامِ بحبلِ الله، وبالتمسُّكِ بعروةِ اللهِ الوثقى، لا يملكُ إلا أن يصبحَ طوعَ أمرِ مَن لا يريدُه أن يخرجَ من الظلماتِ إلى النور. فالشيطانُ والنفسُ قد عقدا العزمَ كلاهما على أن يبقى الإنسانُ أسيرَهما لينتهيَ به الأمرُ بعدها إلى أن يعيشَ دنياه “معيشةً ضنكاً” حتى إذا ما حلَّ يومُ الحساب “غلبت عليه شِقوتُه” فحالت دون أن يُزحزَحَ عن النارِ ويُدخَلَ الجنة. ولذلك كان من المنطقي ألا تختفيَ “الأصنامُ” من حياةِ الإنسانِ وإن خالَ أنَّ الزمانَ لم يعُد زمانَها من بعدِ أن أصبحَ للعقلِ شأنٌ كبيرٌ في حياتِه فلم يعُد من المعقولِ أن يسجدَ “لأصنامٍ” نُحِتَت من الحجارةِ أو قُدَّت من الخشبِ أو غيرِه!
ولقد فاتَ الإنسانَ أن يُدرِكَ أن “الأصنامَ” ليس لها بالضرورةِ أن تكونَ كتلك التي تعبَّدَ لها أباؤه الأقدمون! فأصنامُ اليومِ قد واكبت العصرَ فأصبحت لا تحتاجُ صخراً ولا خشباً ولا غيرَ ذلك طالما كان بإمكانِها أن تُسخِّرَ ما تعجزُ عينا الإنسانِ عن إبصارِه من لطيفِ الفكرِ وخَفي المعتقد ما يُمكِّنُها من إحكامِ قبضتِها على عقلِه وقلبِه فلا يعودُ بعدها بمقدورِه أن يُفلتَ من سطوتِها! ولذلك فإنَّ سيدَنا إبراهيم لم يبالغ بدعائِه اللهَ تعالى أن يُجنِّبَه وبَنيه أن يعبدوا “الأصنامَ” بكافةِ تنويعاتِها وتشكُّلاتِها. فسيدُنا إبراهيم إذ دعا اللهَ تعالى أن يُجنِّبَ بَنيه أن يعبدوا الأصنام، فإنَّه لم يكن يقصدُ بهذه “الأصنام” ما يُفهَمُ عادةً منها فحسب، وذلك طالما كانت حاضرةً في ذهنِه عليه السلام الحقيقةُ التي مفادُها أنَّ الأصنامَ لن تبقى على حالِها الذي كان الناسُ يعرفونه! فسيدُنا إبراهيم كان ينظرُ بإذنِ اللهِ تعالى إلى زمانِنا وإلى كلِّ زمانٍ بعده حتى يومِ القيامة.
وأنا أختتمُ هذه المقالة، فإنه لا يسعُني إلا أن أُنوِّهَ إلى أنَّ سيدَنا إبراهيم لم يستثنِ نفسَه من دعائه اللهَ تعالى هذا. فسيدُنا إبراهيم دعا اللهَ تعالى أن يجنِّبَه أن يعبدَ الأصنام، وذلك قبل أن يدعوَه أن يجنِّبَ بَنيه أن يعبدوها (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) (35 إبراهيم). والعلةُ من وراءِ ذلك هي أنَّ سيدَنا إبراهيم كان يعلمُ كم هو شاقٌّ وعسيرٌ أن يجتنبَ الإنسانُ الأصنامَ فلا يُمكِّنُها من نفسه. وسيدُنا إبراهيم كان أدرى أهلِ زمانِه بما للأصنامِ من “عظيمِ تأثيرٍ” على الإنسان. ولهذا قالَ سيدُنا إبراهيم: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) (من 36 إبراهيم). وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على ما ينبغي أن لا يغيبَ عن بالِنا ما نحن عليه من ضعفٍ بشري به خُلِقنا وقوةٍ طاغيةٍ قد زوَّدنا بها “الأصنامَ” إذ مكَّناها من عقولِنا وأنفسِنا. ولذلك فإنَّ اللهَ تعالى هو مَن يتوجَّبُ علينا أن نستعينَه حتى يُجنِّبَنا أن نعبدَ أصنامَ هذا الزمان التي تعدَّدت وتنوَّعت فلم يعُد بالإمكانِ إحصاؤها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s