في معنى الآيةِ الكريمة “وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ”

أمرَ اللهُ تعالى سيدَنا موسى بأن يذهبَ إلى فرعونَ الطاغية ليطلبَ منه أن يُرسِلَ معه بَني إسرائيلَ الذين كان يستعبدُهم ويسومُهم سوءَ العذاب:
1- (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى. إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى. اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) (15- 17 النازعات).
2- (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ. أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) (17- 18 الدخان).
3- (وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (104- 105 الأعراف).
ولقد استصعبَ سيدُنا موسى أمرَ اللهِ تعالى هذا، وذلك مخافةَ ألا يؤدِّيَه الأداءَ الأمثل وعلى الوجهِ الأكمل، فكان أن رجا اللهَ تعالى أن يؤازرَه بأخيه هارون (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) (29- 32 طه). وما ذلك إلا لأن سيدَنا موسى كان إذا ما خاضَ جدالاً يأخذُ منه الغضبُ مأخذَه فينعقدُ لسانُه ولا يكادُ المستمعُ إليه يفقَه شيئاً مما يقول (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُون) (12- 13 الشعراء)، (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُون) (34 القصص).
والسؤالُ هنا هو: لماذا وصفَ سيدُنا موسى أخاه سيدَنا هارون بأنه “أفصحُ” منه لساناً؟ فهل كان سيدُنا هارون هو أكثرُ “فصاحةً” وأجزلُ بلاغةً من أخيه سيدِنا موسى؟ أم أن الأمرَ يحتاجُ منا لمقاربةٍ لكلمةِ “أفصح” نسمو بها فنُحرِّرُها من ضَيِّقِ قيودِ لسانِنا إلى فسيحِ آفاقِ لسانِ القرآنِ العربي المبين؟ فالفصيحُ هو ليسَ كلُّ مَن كان بارعاً في التعبيرِ عما يجولُ في فكرِه متحكماً بلسانِه مُحكِماً عباراتِه حتى تجيءَ جزِلَةً مُيسَّرَةً على الفهمِ فلا يشقُّ على السامعِ أمرُ تبيانِ المُرادِ بها، ولكنَّ الفصيحَ هو مَن لا تعتورُ لسانَه علةٌ تحولُ دون أن يُعينَه على أن يكونَ بمقدورِه أن يُبينَ مرادَه. فسيدُنا موسى كان لسانُه ذا علةٍ تجعلُه لا ينطلقُ إذا ما ضاقَ الصدرُ منه. ومرجعُ هذه العلةِ ومردُّها يعودُ إلى ما كان قد حدثَ له وهو بعدُ طفلٌ صغير، وذلك عندما أرادَ فرعونُ الطاغية أن يستيقنَ من أنه ليس هو الذي قال له كهنتُه وعرَّافوه إنه مَن قد يكونُ هلاكُ مُلكِه على يدِه عندما يكبر. فكان أن قُرِّبَت منه جمرةٌ من النارِ فامتدت إليها يدُه فطالها ووضعها في فمِه.
ولذلك دعا سيدُنا موسى ربَّه (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي) (27- 28 طه). ولذلك أيضاً قالَ فرعونُ الطاغية عن سيدِنا موسى ما حفظه لنا قولُه تعالى (وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) (من 52 الزخرف)، أي “بالكاد يكونُ بمقدورِك أن تستبينَ من قولِه شيئاً”. ولقد استجابَ اللهُ تعالى رجاءَ عبدِه موسى فأيَّدَه بأخيهِ هارونَ رسولاً نبياً: (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي. اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى. قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى. قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى. فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) (42- 47 طه).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s