في معنى قولِهِ تعالى “وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”

ما الذي ينجمُ عن احتكامِنا إلى العقلِ، وتحكيمِنا لأحكامِه في قرآنِ اللهِ العظيم، غيرُ كلِّ ما من شأنِه أن ينأى بنا بعيداً عن مُرادِ اللهِ تعالى منا؛ هذا المرادُ الذي تنطوي عليه آياتُ قرآنِه العظيم الذي ما قدرناه حقَّ قدرِه إذ ظنَنَّا أنَّ بمقدورِنا أن نتبيَّنَ معنى كلِّ آيةٍ من آياتِه الكريمة بهذا الاحتكامِ منا إلى عقولِنا. وإلا فكيف فاتَ مَن سبقَنا أن يتبيَّنَ أنَّ المعنى الذي تنطوي عليه الآيةُ الكريمة 141 من سورة الأنعام (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين) لا يمكنُ على الإطلاق أن يكونَ هذا الذي ذهبوا إليه؟
فهل يُعقَلُ أن يكونَ معنى هذهِ الآية الكريمة هو ما أوجزَه القومُ بالكلماتِ التالية: (“وَآتُوا حَقَّهُ” زكاته “يَوْمَ حَصَادِهِ” من العشُر أو نصفه “وَلَا تُسْرِفُوا” بإعطاءِ كلِّه فلا يبقى لعيالكم شيء)؟ وكيف فاتَ القومَ أن يتدبَّروا هذه الآيةَ الكريمة بتدبُّرِ ما جاءتهم به سورةُ الأعراف في الآيةِ الكريمة 31 منها (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)؟
فالإسرافُ في الشيء هو الإكثارُ منه وبما لا يتوافقُ مع سُنةِ اللهِ تعالى التي تقضي بوجوبِ أن يلزمَ العبدُ ما لا يجنحُ به صوبَ الطغيانِ إسرافاً وبِداراً وهدراً وتبديداً وضَراً وإضراراً. فالإسرافُ الذي نهى اللهُ عنه في الآية الكريمة 141 الأنعام هو عينُ الإسرافِ الذي نهى تعالى عنه في الآية الكريمة 31 من سورة الأعراف أعلاه. فاللهُ تعالى يأمرُنا في الآية الكريمة 141 الأنعام بألا نُسرِفَ في الأكلِ والشربِ عند حصادِ الغِلةِ وجَني المحصول. فالشعوبُ اعتادت، على مر العصورِ والدهور، أن تُسرِفَ يومَ حصاد الغلة، ويوم جَني الفاكهة، حيث تُقامُ المهرجاناتُ والاحتفالاتُ ويشرعُ الناسُ في تبديدِ ما أنعمَ اللهُ تعالى عليهم من خيراتِ الأرضِ هَدراً لها وذلك بالإسرافِ في تناولها. وفي هذا ما فيه من إضرارِ الإنسانِ بنفسِه.
إذاً فإنَّ الأمرَ لا علاقةَ له من قريبٍ أو بعيد بإخراجِ حصةِ الفقراء ونصيبهم في غلةِ الأرضِ وجَني البساتين! فإذا كانت الأنفسُ قد أُحضِرت الشُّحَّ، فإنَّ اللهَ تعالى قد أمرَنا بأن لا نُصغِيَ لما تأمرنا به النفسُ ويزيِّنُه الهوى، وألا نحتجَّ بتأويلِنا لأمرِ اللهِ تعالى الواردِ في هذه الآية الكريمة فنبخلَ ونُحجِمَ عن إخراجِ ما جعلَه اللهُ تعالى حقاً للسائلِ والمحرومِ والمحتاجِ والأرملةِ واليتيمِ والفقيرِ في الغِلةِ والجَني والمحصول.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s