في معنى قولِهِ تعالى “وَمَنْ كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا”

يَسَّرَ اللهُ تعالى قُرآنَه العظيم للذِكر (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (17 القمر). ومن تجلياتِ هذا التيسيرِ أنَّ اللهَ تعالى جعلَ قرآنَه العظيم يُفسِّرُ بعضُه بعضاً. وهذا هو ما قصدَ إليه سيِّدُنا علي بن أبي طالب كرَّم اللهُ تعالى وجهه بقولِه “القرآنُ يُفسِّرُ بعضُه بعضاً”. ولو أنَّنا حكَّمنا هذه المقولةَ في مُقاربتِنا لقرآنِ الله العظيم فجعلناها نبراساً لنا نحتكمُ إليه ونهتدي به، لما استمعنا وأنصتنا لكلِّ مَن خرجَ علينا بما يظنُّ ويتوهَّمُ أنَّه تأويلُ هذه الآيةِ الكريمةِ أو تلك وما هو كذلك!
وإلا فكيف جازَ على كثيرٍ منا أن يُصدِّقَ مَن يزعمُ أنَّنا لن نستطيعَ أن نتبيَّنَ الحقَّ الذي تنطوي عليه آياتُ قرآنِ اللهِ العظيم إلا بأن نأخذَه عن فئةٍ اختصَّها اللهُ تعالى بتأويلِه وتفسيره؟! وكيف فاتَ هذا الكثيرَ منا أنَّ اللهَ تعالى ليس بظلاَّمٍ للعبيد، وما كان ليظلمَ أحداً من خَلقِه حتى يُساءَ الظنُّ بقولِه تعالى (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا) (72 الإسراء)؟! وكيف فاتَ هذا الكثيرَ منا أنَّ اللهَ تعالى قال في سورةِ طه (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) (124- 126 طه)؟!
فلو أنَّ هذا الكثيرَ منا كانت ذاكرتُه حادةً، فيستذكرُ من آياتِ القرآنِ العظيم ما هو ذو صلةٍ بما يدورُ حولَه الجدالُ ويستعرُ النقاش، كما هي حادةٌ ذاكرتُه هذه وهو يستذكرُ ما يظنُّها إساءاتٍ تسبَّبتَ بها له، لما كان قد فاتَه ما بيَّنَه اللهُ تعالى وفصَّلَه في الآية الكريمة 46 من سورةِ الحج (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) من تحديدٍ للمعنى الذي تنطوي عليه كلمةُ “الأعمى” في قولِه تعالى (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا).
فمعاذَ اللهِ أن يُحاسِبَ اللهُ أعمى البصر على أمرٍ ذي صِلةٍ بعمى القلوب!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s