في معنى قولِهِ تعالى “إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ”

في منشورٍ سابقٍ لي عنوانه “مِن خصائصِ لسانِ القرآنِ العربي المُبين” تحدثتُ عن خصيصةٍ من خصائصِ لسانِ القرآنِ العربي المبين يتعيَّنُ على كلِّ متدبِّرٍ لآياتِه الكريمة أن يضعَها نصبَ عينيه، وذلك حتى لا ينتهيَ به الأمرُ إلى القولِ بما يتعارضُ مع ما جاءنا به هذا القرآن. وتتعلَّقُ هذه الخصيصةُ بما لبعضِ العباراتِ القرآنيةِ الجليلة من تعدُّدٍ في المعنى يضطرُّ المتدبِّرَ إلى مراعاةِ السياقِ الذي ترد هذه العباراتُ خلاله. وفي هذا المنشور سوف نتدبَّرُ الآيةَ الكريمة 11 من سورة الحاقة (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ).
فاللهُ تعالى يتوجَّهُ بخطابِهِ الذي تشتملُ عليه هذه الآيةُ الكريمة إلى جميعِ أفرادِ الجِنس البشري الذين خلقَهم بعد طوفانِ سيدنا نوح، وإن لم يكونوا من بين ركاب سفينته عليه السلام. وهذا الأمرُ يُذكِّرُنا بخطابٍ إلهيٍّ آخر توجَّهَ اللهُ تعالى به إلى عمومِ الجنس البشري (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (11 الأعراف). فاللهُ تعالى لم يكن قد خلقَ بَني آدم بعدُ حتى يقولَ إنَّه “خلقهم ثم صورهم” وذلك في سياقِ حديثِه عن خلقِ أبيهم آدم!
إنَّ تدبُّرَ الآية الكريمة 11 الحاقة، على ضوءِ الآية الكريمة 11 الأعراف، كفيلٌ بجعلِنا نُدرِكُ بأنَّ لقرآنِ اللهِ العظيم لساناً يتوجَّبُ علينا أن نتعلَّمَه قبلَ أن نشرعَ بتدبُّرِ آياتِه الكريمة، وذلك حتى نُحيطَ بالمعنى الذي تنطوي عليه هذه الآيات. فالقرآنُ العظيم لم يُجانب الصوابَ بما وردَ في هاتين الآيتين الكريمتين، وذلك لأننا خُلِقنا كلُّنا جميعاً يومَ خُلِقَ أبونا آدم، ولأننا كلَّنا كنا في الفُلك مع سيدِنا نوح والذين آمنوا معه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s