في معنى قوله تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)

يُخفقُ كثيرٌ منا في تبَيُّن معنى “نفخِ الله تعالى في أبينا آدمَ من روحه”؛ فهو عند كثيرٍ منا كنايةٌ عن تلك النفخةِ الإلهية التي صار أبونا آدمُ بمقتضاها بشراً وذلك من بعد أن دبت الحياةُ، بسببٍ من تلك النفخة، في تمثال أبينا آدمَ الذي صنعه اللهُ تعالى من تراب الأرض وطينها!
وهذا ظنٌ يدحضه ويفنده تدبرُ ما جاءتنا به سورة آل عمران في الآية الكريمة 59 منها: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ).
فالله تعالى نفخ في أبينا آدمَ من روحه وذلك بقوله له (كن فيكون) فصار بذلك إنساناً في أحسن تقويم. وبذلك فلقد كفلت نفخةُ (كن فيكون) هذه لأبينا آدم ان “يتمايزَ” عن أولئك الذين كانوا يُفسدون في الأرض ويسفكون الدماء تمايزاً جعله أهلاً لأن يخلفهم، فصار بذلك أبونا آدم خليفةً في الأرض من بعدهم: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (من 30 البقرة).
وهذا الذي حدث لأبينا آدم بسببٍ من تدخلِ الله تعالى المباشر في عملية تَصَيُرِه وتَخَلُقِه ليس بوسعنا أن نقدرَه حق قدره، فنتبيَّنَه على ما هو عليه حقاً وحقيقة، إلا بأن نستذكرَ “نفخةً إلهيةً” أخرى كان لها أن تجعل عيسى ابن مريمَ إنساناً “يتمايزُ” عن كلِّ احدٍ سواه من البشر. فالله تعالى نفخ في السيدةِ مريمَ من روحه، وذلك بقوله لها “كن فيكون” ،فصيَّرتها “نفخةُ كن فيكون” هذه أهلاً لأن تُصبح أماً من دون أن يمسسها بشر. 
فلو صح ما يظن أولئك الذين يقولون بأن الحياةَ دبَّت في أبينا آدم بنفخ الله تعالى في تمثاله الطيني من روحه، فلماذا نفخ اللهُ تعالى إذاً في السيدة مريم من روحه ولم ينفخ في سيدنا عيسى بن مريم من روحه؟!!! (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (12 التحريم)، (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) (91 الأنبياء).
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن النفخةَ الإلهيةَ المقدسة (نفخةَ “كن فيكون”) لا ينبغي لنا أن نُحَكِّمَ فيها عقولَنا فنظنَ ونتوهم أنها “نفخةٌ في تمثال طين” صار بعدها أبونا آدمُ بشراً إنساناً في أحسن تقويم، وإلا لكان الله تعالى نفخ في عيسى بن مريم ولم ينفخ في أمه من روحه، وهذا ما لم يحدث، بكل تأكيد، وذلك كما أنبأنا به قرآنُ الله العظيم!!!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s