لماذا سمحَ اللهُ تعالى بظهورِ مَن كان “يُفسِدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماء”؟

في منشورٍ سابقٍ لي عنوانه “وقد يأذن اللهُ بتفشِّي الشَّرِّ ولكن إلى حين.. الآيةُ الكريمةُ 30 البقرة مثالاً”، انتهيتُ إلى أنَّ اللهَ تعالى كان قد أذِنَ بتفشِّي إصابةٍ فيمن كان يسكنُ الأرضَ من أسلافِ آدم، وذلك لحكمةٍ اقتضتها خطتُهُ التي كانت تقضي بخلقِ الإنسان. ولقد نجمَ عن تفشِّي تلك “الإصابةِ الفايروسية” في أشباهِ الإنسانِ هؤلاء ما جعلهم “يُفسِدونَ في الأرضِ ويسفكون الدماء”. وهذا الذي كانت تقومُ به تلك المخلوقاتُ من إفسادٍ في الأرضِ وسفكٍ للدماء، ليتناقضُ مع سُنَنِ اللهِ التي امتثل لها، وأطاعها، مَن كان يسكنُ الأرضَ من نباتٍ وحيوان! فالعدوانُ في عالمِ الطبيعة مُقنَّنٌ مُحدَّدٌ وبما لا يجعلُ لمخلوقٍ “أن يطغى” على غيرِه من المخلوقات. فلماذا حدثَ ما حدث وتفشت تلك “الإصابةُ الفايروسية” التي حتَّمت على أشباهِ البشرِ أن يعيثوا في الأرضِ فساداً؟ ولماذا سمحَ اللهُ تعالى بتفشِّي تلك الإصابةِ ولم يتدخَّل تدخُّلاً مباشراً ليحولَ دون تفشِّيها هذا؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذين السؤالين أن نستذكرَ الحوارَ الذي دارَ بين اللهِ تعالى وملائكتِه الكرام، والذي حفظت لنا سورةُ البقرة جانباً منه في الآية الكريمة 30 منها: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). فاللهُ تعالى أجابَ على سؤال ملائكتِه الكرام عن العلةِ من وراءِ أمرِه لهم “بأن يُبقوا على واحدٍ بِعَينِه من تلك المخلوقات المفسدة فلا يُهلكوه معها”، وذلك بقوله لهم “إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”. فالملائكةُ لم يكونوا يعلمون بأنَّ اللهَ تعالى كان قد تدخَّلَ تدخُلاً مباشراً نفخَ بمقتضاه في “مَن أمرَهم بالإبقاءِ عليه” من روحِه، فأصلحت تلك النفخةُ ما كان قد تضرَّرَ فيه جراءَ تولُّدِهِ من أبوَينِ مصابَين بتلك الإصابة. فتلك “النفخةُ الإلهيةُ” هي نفخةُ “كن فيكون” التي صارَ بموجبِها ذلك “الجنين” مخلوقاً استثنائياً فريداً مؤهلاً لأن “يخلفَ” أولئك القوم المفسدين.
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ ما جاءتنا به الآية الكريمة 30 البقرة في مقطعها الأخير (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، أنَّ اللهَ تعالى كان قد سمحَ لتلك “الإصابةِ الفايروسية” بأن تتفشَّى في أشباهِ البشر لعلةٍ اقتضت تدخُّلَه المباشر فيما بعد ليُصارَ إثرَها إلى ظهورِ “مخلوقٍ جديدٍ” قُدِّرَ له أن يكونَ ذا شأنٍ عظيمٍ. وهذا “المخلوقُ الجديد” كان آدم أبا البشر!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s