لماذا لا يمكنُ للموت أن يكون هو “الوفاة”؟…في معنى قولِه تعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون)

اعتورَ لسانَنا من جسيمِ العثرات ما أوقعَه فيه هذا الذي آلَ إليه أمرُ عقولِنا من بعد أن أسلمت قيادَها لمن لم يتَّقِ اللهَ في لسانِ قرآنِه العظيم مما عادَ علينا قصوراً وعجزاً عن تبيُّنِ المعنى الذي ينطوي عليه كثيرٌ من آياتِه الكريمة. ولذلك فلقد شَرَعنا في قراءةِ كثيرٍ من آياتِ القرآنِ العظيم القراءةَ التي نأت بنا بعيداً عن معناها الذي كنا لنُحيطَ به حتماً لو أنَّنا استمسكنا بلسانِه العربي المبين ولم نؤثِر عليه ما جادت به علينا قرائحُ المتحذلقين والمتفذلكين والمتفيهقين ممن ابتُلينا بهم ولم نُدرك أنَّ شرَّ البليةِ ما توارى واستخفى!
وفي هذا المنشور سوف أكتفي بإيرادِ مثالٍ واحدٍ على ذلك. فنحن نظنُّ ونتوهَّم أنَّ “الوفاة” و”الموتَ” صِنوان، وهذا أمرٌ لا يمتُّ إلى الحقيقةِ بِصِلة. فلقد فصَّلَ القرآنُ العظيمُ الأمرَ وبما لا يجعلُ بمقدورِ متدبِّرِ آياتِه الكريمة التي ورد فيها ما يُشيرُ إلى “الوفاة” أن يقعَ في هذا الخطأ الجسيم، وذلك بهذا التمييزِ الذي ليس بالعسيرِ تبيُّنُه بين “آياتِ الموت” و”آيات الوفاة”. فما يحدثُ للإنسانِ بموتِه هو غيرُ ما يحدثُ له بتوفِّيه، وذلك كما بإمكانِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ هاتين الطائفتين من الآياتِ الكريمة. فالموتُ يحدثُ أولاً ثم يُتوفَّى المرء، ولذلك فمن الخطأ الجسيم أن نقولَ إن المرءَ قد توفي ونقصدُ بذلك أنه قد “مات”! فالوفاةُ أمرٌ يعقبُ الموتَ وليس صنوَه كما نظنُّ ونتوهم!
والتوفِّي في القرآنِ العظيم يجيءُ تارةً بمعنى “استلامِ” و”تسلُّم” الإنسان بعد الموت من قبل الملائكة الموكَل إليهم أمرُ ذلك، وذلك كما يتبيُّن لنا بتدبُّرِنا الآيات الكريمة التالية: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) (42 الزمر)، (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) (61 الأنعام)، (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون) (11 السجدة)، (وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) (من 104 يونس).
ويجيء تارةً أخرى بمعنى “إستلام” و”تسلُّم” الإنسان من قِبَل الملائكةِ الموكلُ إليهم أمرُ ذلك، وذلك بعد البعث والنشور يوم القيامة: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) (37 الأعراف)، (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) (28- 29 النحل)، (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (32 النحل).
فالإنسانُ ما أن يموتَ حتى تتكفَّلَ بتسلُّمِه ملائكةٌ كُلِّفت بذلك، وذلك بغيةَ اصطحابِه إلى عالَم البرزخ حيث يتعيَّنُ عليه أن يلبثَ فيه إلى يومِ البعث حيث يتكفَّلُ حينها ملائكةٌ آخرون بتسلُّمِه وإيصالِه إلى مثواه الأخير جنةً كان أم ناراً.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s