في علةِ محدوديةِ العلمِ البشري

كيف لا يكونُ العلمُ البشريُّ محدوداً إذا كانت وسائلُ الإنسانِ التي تُمكِّنُه من التعاملِ المعرفي مع الوجود مُحدَّدةً بحواسِّهِ التي حُدِّدَ عددُها كما حُدِّدَت مدياتُها؟ فالإنسانُ لا يمتلكُ إلا “خمسَ” حواسٍ “محدودةَ القدرةِ” على التعاملِ المعرفي مع هذا الوجود. ونُخطئُ إن نحن ظنَنَّا أنَّ بمقدورِ هذه الحواس المُحدَّدةِ العدد، المحدودةِ المدى، أن تجعلَنا قادرين على أن نُحيطَ بكلِّ ما يشتملُ عليه الوجودُ من وقائعَ وظواهرَ وأحداث! فنحن لم نُخلق لنعرفَ الوجودَ على ما هو عليه حقاً وحقيقة حتى يزوِّدَنا اللهُ تعالى بما يُمكِّنُنا من ذلك! فاللهُ تعالى ما خلقنا إلا لنعبدَه (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (56 الذاريات)، وهذه حقيقةٌ لابد لنا من أن نحرصَ على ألا ننساها ونحن نتدارسُ العلةَ التي حتَّمت على العلمِ البشري أن يكونَ محدوداً. ولو أنَّنا تدارسنا هذه العلةَ، مستذكرينَ هذه الحقيقة ما أمكننا، لتبيَّنَ لنا أن كثيراً من الأحكامِ والافتراضات التي انتهينا إليها بشأنِ الوجود لا يمكنُ أن تكونَ صائبةً، وذلك طالما تعذَّرَ علينا أن نُحيطَ بكلِّ ما يشتملُ عليه ظاهرُ هذا الوجودِ وباطنُه من مفرداتٍ لا سبيلَ إلى صياغةِ أحكامٍ وافتراضاتٍ صائبةٍ بشأنِه إلا من بعدِ الإحاطةِ بها كلِّها جميعاً!
فإذا كان الإنسانُ لم يؤتَ من “علمِ اللهِ” إلا قليلا، فإنه قد “قُدِرَ عليه” رزقُهُ من العلمِ بهذا الوجودِ تقديراً حتَّمَه عليه هذا العقلُ الذي حُدِّدت حواسُه عدداً ومدى.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s