لماذا كان الجنُّ يصنعون لسيدِنا سليمان ما يشاء مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَات؟

سخَّر اللهُ تعالى لسيدِنا سليمان عليه السلام صنوفاً من الخَلقِ حفظت لنا قصَصُ القرآنِ العظيم بعضاً من أنبائِها، وكان الجنُّ من بينِ أصنافِ الخلقِ هذه (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ. وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) (16- 17 النمل).
والجنُّ مخلوقاتٌ قادرةٌ بإذنِ اللهِ تعالى على أن تصنعَ من عجيبِ الأمورِ وغريبِها ما يكفينا أن نستذكرَ ما وردَ بشأنِ ذلك في القرآنِ العظيم من آياتٍ كريمة تُبيَّنُ لمتدبِّرِها هذا الذي هم قادرون على صنعه. ومن هذه الآياتِ الكريمة ما جاءتنا به سورةُ النمل في الآيتين الكريمتين 38- 39 منها (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ). والحديثُ هنا هو عن عرشِ ملكةِ سبأ الذي أرادَ سيدُنا سُليمان أن يُحضَرَ إليه من اليمنِ إلى فلسطين!
ومن هذه الآياتِ الكريمةِ أيضاً ما جاءتنا به سورةُ سبأ في الآية الكريمة 13 منها (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ). والسؤالُ هنا: لماذا أرادَ سيدُنا سليمان أن يصنعَ له الجنُّ كلَّ هذه المصنوعات؟ وهنا ينبغي علينا أن نأخذَ بنظرِ الاعتبارِ حقيقةً مفادها ألا نسبةَ هناك ولا تناسبَ بين هذا الذي بمقدورِ الإنسِ أن يصنعوه، وذاك الذي بمقدورِ الجن أن يصنعوه. فالقوانينُ الفيزيائية التي تُحدِّدُ قدرةَ يدِ الإنسانِ على التعاملِ مع الصخرِ والطين لا تسري على الجن على الإطلاق. فمصنوعاتُ الجنِّ تتمايزُ عن مصنوعاتِ الإنس بما يجعلُ الناظرَ إليها يحارُ في أمرِها، وذلك لما يرى فيها من ضخامةٍ تُعجِزُ الإنسانَ عن أن يصنعَ مثلها. وهذا هو كلُّ ما كان يحتاجُ إليه سيدُنا سليمان حتى يضطرَّ زائريه من ملوكٍ وأُمراء إلى الإقرارِ بأنَّ اللهَ أكبرُ من آلهتِهم طالما كان اللهُ بمقدورِه أن يؤيِّدَه عليه السلام بما تعجزُ عنه آلهتُهم. فهذا “الإبهارُ السُليماني” إذاً هو العلةُ من وراءِ ما كان يقصدُ إليه ِسيدُنا سليمان بأمرِه الجن أن يصنعوا ما فصلته لنا الآية الكريمة 13 من سورة سبأ الواردة أعلاه.
ولنا فيما جاءتنا به الآيةُ الكريمة 36 النمل (فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ) ما يُعينُ تدبُّرُه على تبيُّنِ “المنطق السليماني” من وراءِ هذا ” الإبهار”. وهذا “الإبهارُ السليماني” هو ما اضطرَّ ملكةَ سبأ إلى إشهارِ إسلامِها على رؤوسِ الأشهاد، وذلك من بعد ما تبيَّن لها أنَّ مَن مكَّنَ سليمانَ من أن يصنعَ الصرحَ، الذي حسبته لُجَّةَ ماءٍ وما هو بلُجة، لم يكن إلا اللهُ الذي حدَّثها عنه سيدُنا سليمان وطلب منها أن تُسلِمَ معه له تعالى (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (44 النمل).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s