لماذا أراد سيدُنا سليمان أن يُجلب إليه عرشُ ملكة سبأ؟

حفظت لنا سورةُ النمل بعضاً من قصصِ سيدِنا سليمان عليه السلام. ومن بين هذه القصص الجليلة قصةُ جلبِ عرش ملكة سبأ، والتي بإمكانِنا أن نتبيَّنها بتدبُّرِنا الآياتِ الكريمة 38- 44 من هذه السورةِ المباركة. ومبتدأُ هذه القصة كان بسؤالِ سيدِنا سليمان ملئِهِ أيُّهم بمقدوره أن يأتيَه بذلك العرش (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِين) (38 النمل). والسؤالُ هنا هو: لماذا أرادَ سيدُنا سليمان أن يُجلبَ إليه هذا العرش؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ما حدثَ بعدَ أن جلبَ الذي عندهُ علمٌ من الكتابِ هذا العرش، وهو ما بإمكانِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِنا الآياتِ الكريمة 41- 43 النمل (قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ. فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ. وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ). فلقد ظنَّ سيدُنا سليمان أنَّه قادرٌ على أن “يُبهِرَ” الملكةَ، وذلك عندما تتبيَّنُ أنَّ هذا هو عرشُها، وإن كان قد قام بتنكيره مُضيفاً عليه ما يجعلُ الناظرَ إليه يخالُه عرشاً آخر. فـ “أنَّى لعرشِها أن يسبِقَها إلى فلسطين؟”، و”كيف تأتَّى لسليمان أن ينتهيَ إليه عرشُها هذا؟”.
فسيدُنا سليمان كان على ثقةٍ بأن الملكةَ عندما يخطرُ ببالِها هذين السؤالين ستبادرُ إلى إعلان إسلامِها، إلا أنَّ ما حدثَ كان خلافَ ما كان يظنُّ سيدُنا سليمان؛ فلقد صدَّ الملكةَ عن إشهارِ إسلامِها ما كانت عليه من عبادةٍ لغيرِ اللهِ تعالى جعلتها تتهيَّبُ ذلك مخافةَ أن يظنَّ بها قومُها الظنون. فلقد كانت الملكةُ تعلم في قرارةِ نفسها علمَ اليقين أنَّ هذا هو عرشُها، وأنَّ من أتى سليمانَ به لابد وأن يكونَ هو اللهُ الذي كان سيدُنا سليمان يدعوها إليه. فما كان من سيدِنا سليمان، ومن بعدِ أن أخفقَ في جعلِها تُشهِرُ إسلامَها على الملأ، إلا أن عاجلَها بما لم تكن قادرةً على أن تُفلِتَ من مُحكَمِ قبضته. فطلبَ منها عليه السلام أن تدخلَ الصرحَ (وهو قاعةٌ من أعجبِ ما كان في قصرِ سيدِنا سليمان إذ يبدو للسائرِ فوق سطحِها أنَّه إنما يسيرُ على الماء)، فما كان منها إلا أن كشفت عن ساقَيها مخافةَ أن يبتلَّ ثوبُها. وهنا أخبرها سيدُنا سليمان بأن الأمر لم يكن كما تظن، وأن سطحَ القاعة مصنوع من زجاجٍ من نوعيةٍ خاصة تجعلُ السائرَ عليه يظنُّ أنَّه يسيرُ على الماء (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ) (من 44 النمل).
وهنا أدركت الملكةُ أنَّه لن يعودَ بمقدورِها أن تقاومَ أكثر. فكان أن قالت ما حفظته لنا هذه الآية الكريمة ذاتها (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (من 44 النمل).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s