لماذا كان على سيدِنا يوسف أن يُسجَنَ بِضعَ سنين؟

انتهيتُ في منشوراتٍ سابقة إلى أنَّ قصَصَ سيدِنا يوسف عليه السلام، كما حفظها لنا القرآنُ العظيم، تقتضي منا وجوبَ أن نتدبَّرَ ما جاءتنا به سورةُ يوسف من آياتٍ كريمةٍ ذاتِ صلة تدبُّراً لا سبيلَ إلى الإحاطةِ بما تنطوي عليه هذه القصَصُ المباركةُ الجليلة من معنى إلا بملازمتِهِ والمواظبةِ عليه. فسيدُنا يوسف “صُنِعَ على عينِ الله”، وكلُّ ما جرى له كان أمراً مقدوراً مفعولاً. وإذا ما نحن قرأنا قصَصَ سيدِنا يوسف دون أن ندركَ ما لِيَدِ اللهِ تعالى من لطيفِ تدخُّلٍ في صياغةِ مفرداتِها، فلن يكونَ بمقدورِنا على الإطلاق أن نضعَ يدَنا على ذاك الذي جعلَ سيدَنا يوسف يتبيَّن، من بعدِ أن جعلَ اللهُ تعالى رؤياهُ تتحقَّق، ما للهِ تعالى من “تدخُّلٍ لطيفٍ” في حياتِهِ جرَت الوقائعُ والأحداثُ بمقتضاه.
وكما أشرتُ في منشوراتٍ سابقة، تحدثتُ فيها عن جانبٍ من هذا “اللطفِ الإلهي” الذي صُنِعَ سيدُنا يوسف على أعيُنِ اللهِ بمقتضاه، فإنَّ تدبُّرَ هذا اللطفَ الإلهي سيتكفَّلُ بالإجابةِ على كثيرٍ من الأسئلة التي لابد وأن تعِنَّ للعقلِ المتفكِّرِ المتدبِّرِ المُدَّكِر وهو يُلِحُّ على قصَصِ سيدِنا يوسف بالقراءةِ المتكررة، ومن ذلك ما كان من أمرِ دخولِه عليه السلام السجن. وقراءةُ قصَصِ سيدنا يوسف بتدبُّرٍ وتفكُّرٍ، لا يغيبُ عنه إدراكُ هذا التدخُّلِ الإلهي اللطيف في صياغةِ أحداثِها، كفيلةٌ بجعلِنا نتبيَّن أنَّه عليه السلام كان مُقدَّراً له منذ البداية أن يدخلَ السجنَ، وأن يلبثَ فيه بضع سنين!
وهذا هو عينُ ما أدركَه سيدُنا يوسف من بعدما تبيَّنَ له أنَّ “الأمرَ” خارجٌ عن سيطرةِ أحدٍ من الخلق، وأنَّ هناك “شيئاً ما” بشأنِهِ عليه السلام هو ما جعلَ امرأةَ العزيزِ تُراودُه عن نفسِه مِراراً وتكراراً، وأنَّ هذا “الشيء” لا يخصُّها هي بل يتعدَّاها ليَطالَ كلَّ امرأةٍ ساقَها القدرُ في طريقِه فوقعت عيناها عليه! وهذا هو الذي حدا بسيدِنا يوسف إلى أن يدعوَ اللهَ دعاءَه الذي حفظته لنا الآية الكريمة 33 من سورة يوسف (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ). وهذا هو عينُ ما تبيَّنَ لمَن كان يُراقِبَ المشهدَ عن كثب فأدركَ أن ليس لأحدٍ أن يلومَ أمرأةَ العزيز أو أياً من صاحباتِها! فلقد بدا لأولئكَ الذين كانوا يراقبون المشهدَ أنَّ الوسيلةَ المُثلى تقتضي بأن يُسجنَ سيدُنا يوسف حتى حين، وذلك من بعدِ ما رأوا “الآيات” التي بيَّنت أنَّ إبعادَه عليه السلام عن ناظري النساء سوف يتكفَّلُ بحلِّ “تلك المُشكلة” إلى الأبد. وهذه الآيات هي ما لمسَه هؤلاء لمسَ اليَد من أنَّ هناك شيئاً ما يشأنِ سيدِنا يوسف هو الذي كان يجتذبُ إليه أنظارَ مَن وقعت عليه أعينُهن من النساء (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) (35 يوسف).
وكلُّ من يُشكِّكُ في صوابِ التخريج الذي أوردتُه أعلاه، مُطالَبٌ بأن يُعلِّلَ لذاك الذي حدثَ فجعلَ من سيدِنا يوسف يُضطَرُّ إلى أن يلبثَ في السجنِ بضعَ سنين (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِين) (42 يوسف). فلماذا أنسى الشيطانُ صاحبَ يوسفَ في سجنِه أن يذكرَه عند الملك؟ ولماذا لم يتدخَّل اللهُ تعالى تدخُّلَه اللطيف ليحولَ دون أن يتمكَّنَ الشيطانُ من أن يُنسيَ صاحبَ يوسفَ أن يذكرَه عند الملك؟
يتبيَّنُ لنا إذاً أنَّ علينا أن نُقِرَّ بأنَّ ما حدثَ لسيدِنا يوسف لم يكن مما هو بالإمكانِ أن يُعلَّلَ له بما نعرفُ من الأسبابِ والعِلَل، وأنَّنا مُضطرُّونَ والحالُ هذه إلى أن نُعلِّلَ له بالالتجاءِ إلى تدخُّلِ اللهِ اللطيفِ هذا.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s