مشيئةُ اللهِ وقُدرتُه وجهانِ لحقيقةٍ واحدة

تَعتوِرُ تصوُّرَنا لعلاقةِ اللهِ تعالى بالوجودِ وبمن فيه عيوبٌ واختلالات ما اضطرَّنا إلى الوقوعِ فيها إلا إصرارُنا على ألا نقرأَ القرآنَ العظيم القراءةَ المتدبِّرةَ التي أمرَنا اللهُ تعالى بها (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (29 ص).
فبمقتضى هذا التصوُّر غير الموفَّق حدَّدنا قدرةَ اللهِ تعالى بما تجلى لنا منها ونسينا أنَّنا، وبهذا التحديدِ منا، قد خالفنا ما جاءَنا به القرآنُ العظيم من أن ليس لمخلوقٍ على الإطلاق أن يُحدِّدَ قدرةَ اللهِ فيجعلَها مُقيِّدةً غيرَ مطلقة! فإذا كان هذا الوجودُ تجري أحداثُه وفقاً لما يقتضيه أمرُ إطاعتِهِ لما سبقَ وأن بثَّهُ اللهُ فيه من قوانينَ وأسباب، فإنَّ هذا لا يُجوِّزُ لنا على الإطلاق أن نجزمَ ونقطعَ بأن ليس للهِ تعالى أن يتسلَّطَ على هذه القوانينِ والأسباب، وبما يسلبها القدرةَ على التأثيرِ في مجرياتِ أحداثه. فاللهُ تعالى قادرٌ على أن يتدخَّلَ أنى يشاء في أحداثِ الوجودِ فيتسلَّطَ على هذه الطائفةِ من قوانينِ الوجودِ وأسبابِه أو تلك تسلُّطاً يتجلَّى بكلِّ ما من شأنِهِ ألا يجعلَ بمقدورِ عاقلٍ أن يُجادلَ فيقولَ إنَّ قوانينَ الوجودِ وأسبابَه تكفي للتعليلِ لكلِّ ما يحدثُ فيه!
إنَّ قراءةَ القرآنِ العظيم بتريُّثٍ وتروٍّ وتمهُّلٍ وتدبُّر كانت لتجعلَ من أولئك الذين خُيِّلَ إليهم أنَّ الإيمانَ باللهِ حقَّ الإيمانِ يقتضي هذا التحديدَ لقدرةِ اللهِ بقوانينِه تعالى وأسبابِه يتبيَّنونَ ما هم عليه من خطأٍ جسيم ويسارعونَ إلى تبنِّي موقفٍ هو أقربُ إلى الحق القرآني فلا يقولون إلا بما يقولُ به هذا القرآن! فهذا القرآن قد بيَّنها واضحةً جلية إذ تُرشِدُنا آياتُه الكريمة إلى حقيقةِ العلاقة بين اللهِ تعالى وهذا الوجودِ ومَن فيه؛ هذه العلاقة التي لا يكفي للتعريفِ بها التعريفَ الأمثل أن نُحدِّدَها فنُقيِّدَها بالقوانينِ والأسباب التي سبقَ وأن بثَّها اللهُ تعالى في الوجود طالما كان اللهُ تعالى قادراً على أن يتدخَّلَ أنى يشاء فتتجلى آثارُ تدخُّلِه المباشر هذا وقائعَ وظواهرَ وأحداثٍ لا تعليلَ صائباً لها إلا بأن نقولَ بأنَّ مشيئةَ اللهِ وقدرتَه هما وجهانِ لحقيقةٍ واحدة هي حقيقتُه تعالى.
فيكفينا أن نستذكرَ بعضاً مما جاءنا به القرآنُ العظيم من آياتٍ كشفت النقابَ عن حقيقةِ تماهي قدرةِ اللهِ ومشيئتِه تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) (من 99 يونس)، (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) (29 الشورى)، (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) (28 الإنسان)، (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا) (86 الإسراء).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s