لماذا عاتبَ اللهُ تعالى رسولَهُ الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم علانيةً في القرآنِ العظيم ولم يعاتبه سِراً؟

امتدحَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم في قرآنِه العظيم في مواطنَ كثيرة. غير أن ذلك لا ينبغي أن يجعلنا نُحجِمُ عن تذكُّرِ وتدبُّرِ مواطنَ أخرى عاتبَ اللهُ تعالى فيها رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أشدَّ العتاب، وذلك لأننا إن فعلنا ذلك فإننا سنكونُ كأولئك الذين قالَ اللهُ تعالى فيهم: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (من 85 البقرة).
فالقرآنُ العظيم كلٌّ لا يتجزَّأ ولا يُبعَّض فيؤخذُ بعضُه ويُترَك بعض! ولن يضيرَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم شيءٌ إن نحن تذكَّرنا وتدبَّرنا مواطنَ العتابِ الإلهي هذه. فرسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم هو مَن قالَ “أدَّبَني ربِّي فأحسنَ تأديبي”. وفي قولِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم هذا ما ينبغي أن يُعينَنا على تذكُّرِ الحقيقةِ القرآنيةِ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى لم يخلقنا بشراً كاملين، وأنَّه ما أمرنا بأن نستغفرَه ونتوبَ إليهِ إلا ليُعينَنا على أنفسِنا في مجاهدتِنا لها حتى لا تُفلِحَ في جرِّنا بعيداً عن صراطِه المستقيم. ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم هو مَن قالَ “كلُّ بَني آدمَ خطَّاء وخيرُ الخطائين التوابون”. وهو صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم مَن قال أيضاً: “إنِّي لأستغفرُ اللهَ في اليومِ سبعين مرة”.
وبناءً على ذلك فلا ينبغي لنا أن نُعرِضَ عن تلك المواطنِ التي عاتبَ اللهُ تعالى فيها رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم. بل، وعلى العكس من ذلك، فإنه يتوجَّبُ علينا أن نستذكرَها ونتدبَّرَها ونجتهدَ في ذلك حتى تتبيَّنَ لنا الحكمةُ من وراءِ إيرادِ اللهِ تعالى لها في قرآنِه العظيم. ومن بين مواطنِ العتابِ الإلهي هذه:
1- (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ) (1 التحريم).
2- (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) (من 37 الأحزاب).
فلماذا عاتبَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم علانيةً في القرآنِ العظيم ولم يعاتبه سِراً؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ قولَ اللهِ تعالى الواردِ في الآيتَين الكريمتَين: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء)، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (24 محمد). فاللهُ تعالى، وبمعاتبةِ رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم علانيةً في القرآنِ العظيم، فإنه إنما يُقدِّمُ برهاناً يكفلُ لكلِّ مَن يتدبَّرُه بشيءٍ من عقلٍ سليم أن يصلَ إلى حقيقةٍ مفادُها أنَّ هذا القرآنَ لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله، وأنَّه لا يمكنُ أن يكونَ من نَظمِ سيدِنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم كما يزعمُ الجاهلون أو المغرضون! إذ كيف يُعقَلُ أن يأتيَ امرؤٌ على ذكرِ نقائصِه في كتابٍ يزعمُ أنَّ اللهَ قد أنزلَه عليه؟!
فعتابُ اللهِ تعالى إذاً لرسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم في قرآنِه العظيم علانيةً يُقدِّمُ برهاناً على أن هذا القرآنَ لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله. هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ اللهَ تعالى بمعاتبتِه هذه إنما يعملُ على تزكيةِ رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم وبما يكفلُ له أن يرتقيَ في درجاتِ القربِ من اللهِ تعالى ارتقاءً ليس إليه من سبيلٍ إلا بهذه “المواجهةِ مع النفس” التي سوف تضطرُّه صلى اللهُ تعالى عليه وسلم إليها وجوباً معاتبةُ اللهِ تعالى له علانيةً.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s