في معنى قَولِهِ تعالى “وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا”

خلقَ اللهُ تعالى هذه الحياةَ الدنيا وبثَّ فيها من القوانينِ والأسبابِ ما هو كافٍ لِتَسييرِ أمورِها وشؤونِها. ولقد جعلَ اللهُ تعالى لكلِّ شيءٍ في هذه الحياةِ الدنيا سبباً يتوهَّمُ كثيرٌ منا أنَّه هو العلةُ من وراءِ كلِّ ما يحدثُ لهذا الشيء أو

في سياقِ تفاعُلِه مع غيرِهِ من الأشياء. والحقيقةُ التي يعجزُ كثيرٌ منا عن إدراكِها هي ألاَّ سببَ بمقدورِه أن يتسبَّبَ في حدوثِ شيءٍ ما إن لم يأذن له اللهُ تعالى بذلك. والإذنُ هنا يشملُ ما يمدُّ السببَ بما يُمكِّنُهُ من التسبُّبِ في حدوثِ ما يحدثُ لهذا الشيءِ أو ذاك من أشياءِ هذه الحياةِ الدنيا، كما ويشملُ الإجازةَ والرخصةَ بهذا “التسبُّب” الذي جعلَهُ اللهُ مشروطَ الحدوثِ بمشيئتِهِ تعالى.
فاللهُ تعالى هو الرزاقُ الذي يتكفَّلُ بـ “مَدِّ” مخلوقاتِهِ كلِّها جميعاً بما يكفلُ لها البقاءَ إلى أجلٍ مسمىً عنده:
1- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (3 فاطر).
2- (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ) (21 المُلك).
3- (أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (64 النمل).
4- (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ) (من 24 سبأ).
غيرَ أنَّ هذا لا يعني على الإطلاق أنَّ الرزقَ في هذه الحياةِ الدنيا ليس له أن يتنزَّلَ من اللهِ تعالى “إمداداً من لدُنه”، مباشرةً، ومن دونِ المرورِ بـ “سلسلةِ الأسباب” التي يُرجِعُ كثيرٌ منا الفضلَ إليها في تنزُّلِ الأرزاقِ من اللهِ تعالى. فاللهُ تعالى قادرٌ إن شاء على أن يُنزِّلَ من فضلِهِ على مَن يشاءُ من عبادِه دون أن يكونَ ذلك مشروطاً بـ “سلسلةِ الأسباب”. وهذه حقيقةٌ قرآنيةٌ لا يجادلُ فيها إلا مَن فاتَه أن يستذكرَ ويتدبَّرَ قَولَ اللهِ تعالى: (وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) (من 40 النساء). فاللهُ تعالى يقولُ للشيءِ إذا أرادَه “كن فيكون” حتى وإن تعارضَ ذلك مع ما تقضي به “سلسلةُ الأسباب”: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (82 يس).
وهذا رزقٌ من اللهِ يتنزَّلُ من لدُنه تنزُّلاً جعلَ اللهُ التقوى عِلتَه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (من 2- من 3 الطلاق). فـ “الرزقُ الذي يُحتَسَبُ” هو ذاك الذي تُعرَفُ أسبابُه فيُطلَبُ بها ويُستقصى. أما “الرزقُ الذي لا يُحتسَب”، فهو الذي يجيءُ من عندِ اللهِ تعالى من دونِ المرورِ بـ “سلسلةِ الأسباب” ومن دونِ سَعيٍ أو بذلِ مجهودٍ. ولذلك فهو رزقٌ يجيءُ بلا أسباب ويتأتى للمرءِ الحصولُ عليه دون مشقةٍ أو اكتساب.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s