هل كلُّ ما نطقَ بهِ سيِّدُنا يعقوب من حُكمٍ كانَ مما علَّمَهُ اللهُ إياه؟

اختصَّ اللهُ تعالى عبادَه الذين اصطفى بـ “علمٍ لَدُني” لم يجعل لأحدٍ غيرِهم إليه سبيلاً: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) (65 الكهف). وسيدُنا يعقوب كان من عبادِ اللهِ المخلَصين الذين اصطفاهم اللهُ فاختصَّهم بهذا “العلمِ اللَّدُني”:
1- (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (68 يوسف).
2- (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (86 يوسف).
3- (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُون) (96 يوسف).
فاللهُ تعالى اختصَّ عبادَه المُخلَصين بما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (من 76 يوسف). وسيدُنا يعقوب أصبحَ “ذا علمٍ” من بعد أن علَّمَه اللهُ مما يشاء. فاللهُ تعالى فوقَ كلِّ “ذي علم”. وكلُّ “ذي علم” ما كان له أن يحظى بهذا العلمِ لولا أنَّ فوقَه اللهُ الخبيرُ العليم.
ومن تجليات هذا “العلم اللدُني”، الذي علَّمَهُ اللهُ تعالى لسيدِنا يعقوب، ما بوسعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيةِ الكريمة: (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون) (18 يوسف). فسيدُنا يعقوب كان “يعلمُ من الله” أنَّ بَنيه لم يكونوا صادقين بزعمِهم أنَّ الذئب أكلَ أخاهم يوسف.
غيرَ أنَّ هذا لا يعني أنَّ كلَّ ما نطقَ بهِ سيدُنا يعقوب من حُكمٍ كان مما علَّمَه اللهُ تعالى إياه. فسيدُنا يعقوب بشرٌ، ولذلك فهو يجري عليه ما يجري على البشرِ من احتكامٍ للعقلِ وتحكيمٍ لما يوصي به من أحكام فيما لا شاهدَ له عليهِ ولا دليل. وهذا هو ما يُبيِّنُه لنا تدبُّرُ الآيةِ الكريمة: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) (من 83 يوسف). فسيدُنا يعقوب قد جانبَ الصوابَ هنا، وذلك لأنَّ ما نطقَ به من حكمٍ لم يكن مما “علَّمهُ الله” إياه، إذ استندَ إلى ما أشارَ به عليهِ عقلُه في إصدارِ هذا الحكم. فإخوةُ يوسف كانوا هنا صادقين فيما أخبروا به أباهم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s