في التأصيلِ القرآني لكلمةِ “معجزة”

يزعمُ البعضُ أنَّ كلمةَ “معجزة”، إذ لم يَرِد لها ذِكرٌ في القرآنِ العظيم، فإنه لا يجوزُ لنا بالتالي أن نأتِيَ بها في أيِّ سِياقٍ ذي صلةٍ بالدعوةِ إلى سبيلِ الله! وهذا ظنٌّ ما كان لِيوهِمَ أصحابَه بأنَّه حقٌّ مبين لولا أنَّهم لم يتدبَّروا قَولَ اللهِ تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) (من 44 فاطر).
فاللهُ تعالى لا يُعجِزُه شيءٌ في السمواتِ ولا في الأرض. وهذه حقيقةٌ شدَّدَ عليها اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم في مواطنَ منه كثيرة:
1- (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) (من 22 العنكبوت).
2- (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ) (59 الأنفال).
3- (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ) (من 2 التوبة).
فاللهُ تعالى لا يقتضي الأمرُ منه غيرَ أن يُريدَ شيئاً حتى يكونَ له ما يُريد: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (82 يس). فاللهُ تعالى، وبهذه القدرةِ التي اختصَّ بها نفسَه فقَصَرَها على ذاتِه، قادرٌ على أن يفعلَ ما ليس بمقدورِ أحدٍ من خلقِهِ جميعاً أن يفعله. وهذا، الذي هو بمقدورِ اللهِ تعالى أن يفعلَه، لن يقوى أهلُ السماءِ والأرض على فِعلِه وإن تظاهروا عليه كلُّهم جميعاً فكان بعضهُم ظهيرَ بعض: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (88 الإسراء).
فكلُّ ما بمقدورِ اللهِ تعالى القيامُ به من “فعلٍ مُحدَثٍ”، يتعارضُ مع ما تقومُ عليهِ السمواتُ والأرضُ من قوانينَ سبقَ وأن بثَّها اللهُ تعالى فيهما، هو “معجزةٌ” وبالمعنى الذي يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآية الكريمة: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) (من 44 فاطر).
فالمعجزةُ إذاً هي كلُّ “فعلٍ مُحدَثٍ” يأتي به اللهُ تعالى من لدنه بقولِه للشيءِ إذا أراده “كن فيكون”. وبهذا الذي تقومُ عليه المعجزةُ، من تفوقٍ على “قوانينِ الوجودِ” كلِّها جميعاً، فإنَّه لَمِن المنطقي بالتالي ألا يقوى على الإتيانِ بها أيُّ مخلوقٍ وإن استعانَ على ذلك بأهلِ السمواتِ والأرض! فالمعجزةُ إذاً هي تذكيرٌ بعَجزِ خَلقِ اللهِ كلِّهم جميعاً عن أن يأتوا بما لا يَعجزُ اللهُ تعالى عن أن يأتي به من محدَثِ الأفعال.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s