بماذا يكونُ الإنسانُ إنساناً… بالنفسِ أم بالعقل؟

ما الذي يجعلُ الإنسانَ إنساناً؟ وما الذي يجعلُنا بشراً؟ وما الذي يُميِّزُنا عن مخلوقاتٍ بينَنا وبينَها شَبَهٌ عظيم؟ وهل بمقدورِنا حقاً أن نعزوَ اختلافَنا عن معشَرِ الحيوانِ إلى العقلِ؟ وهل يكفي العقلُ للتعريفِ بنا؟ وهل نحنُ حقاً “كائناتٌ عاقلة” تحتكمُ إلى العقلِ في تعامُلاتِها؟ ولماذا كلُّ هذا الإصرارِ على القولِ بأنَّ اللهَ تعالى إن كانَ قد اختصَّ الإنسانَ بِخصيصةٍ ميَّزَهُ بها عن غيرِه من المخلوقات، فلابد وأن تكونَ هذه الخصيصةُ هي العقل؟ وهل يَحولُ تمتُّعُ الإنسانِ بالعقلِ دونَ أن يُقدِمَ على اقترافِ أفعالٍ “مخبولة”؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذه الأسئلةِ كلِّها جميعاً أن نستذكرَ الحقيقةَ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى لم يذكر في قرآنِه العظيم أنَّهُ قد اختصَّ الإنسانَ بـ “العقلِ” دوناً عن باقي مخلوقاتِه. فالذين أقحموا العقلَ في السياقِ الديني هم الفلاسفةُ الأوائلُ الذين ظنُّوا أنَّهم بهذا الإقحامِ سيجعلونَ الدينَ أكثرَ “معقوليةً” وأدنى لأن يتمَّ تقبُّلُه والقبولُ به نظاماً للفكرِ ومنهجاً للحياة. ونحنُ إن تدبَّرنا قرآنَ اللهِ العظيم فلن نجدَ فيهِ ما يؤيِّدُ زعمَ هؤلاءِ الفلاسفةِ الذين ما قدَروا الإنسانَ حقَّ قدرِه إذ بالغوا في إجلالِه وتعظيمِهِ فبلغوا به مبلغاً ما أنزلَ اللهُ تعالى به من سلطان! بل، وعلى العكسِ تماماً مما ذهبَ إليه هؤلاءِ الفلاسفةُ، فإنَّ القرآنَ العظيم يقولُ في الإنسانِ ما لا يحتاجُ منا “عبقريةً” لنتبيَّنَ ما ينطوي عليهِ من تبيانٍ لهذا الذي هو عليه الإنسانُ من صفاتٍ لا تَشي بأنَّ له من العقلِ ما ظنَّهُ وفاخرَ به هؤلاءِ الفلاسفة!
فالإنسانُ في القرآنِ العظيم كفورٌ، جَهولٌ، ظَلومٌ، قَتورٌ، عجول. فكيفَ يكونُ الإنسانُ “كائناً عاقلاً” وهذه هي بعضٌ من صفاتِهِ التي فصَّلَها لنا وبيَّنها قرآنُ اللهِ العظيم؟! فالعقلُ، في القرآنِ العظيم، هو ليس العقلَ الذي نظنُّ ونتوهَّم! فإذا كان العقلُ عندَنا هو الذي مكَّنَ الإنسانَ من أن يصنعَ الحضارةَ، وأن يُبدِعَ ويخترِعَ ما جعلَهُ سيدَ البرِّ والبحرِ والجَو، فإنَّ العقلَ، كما يُعرِّفُه القرآنُ العظيم، هو ما يجعلُ صاحبَهُ يُمايزُ بين الحقِّ والباطلِ فيتبيَّنُ الحقَّ حقاً والباطلَ باطلاً، وهذا تعريفٌ للعقلِ يكونُ السوادُ الأعظمُ من البشرِ بمقتضاهُ لا يمتلكُ واحدُهم ما يجعلُه أهلاً لأن يوصفَ بأنَّه “إنسانٌ عاقل”!
فإن لم يكن العقلُ هو ما يجعلُ الإنسانَ إنساناً، فما الذي يجعلُ الإنسانَ إذاً إنساناً؟
يُعينُنا القرآنُ العظيم على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال، وذلك في الآية الكريمة 54 من سورة الكهف: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا). فالقرآنُ العظيم لم يقُل “وكان الإنسانُ أكثرَ شيءٍ عَقلا”، ولكنه قال “وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا”، أي “وكانَ الإنسانُ أكثرَ شيءٍ نَفْساً”! فالإنسانُ ما زيَّنَ له الجدَلَ والجِدالَ والمجادلةَ إلا نفسُه التي ابتلاهُ اللهُ تعالى بها لِيَنظُرَ كيف يُبلي في حياتِهِ الدنيا. فالإنسانُ نفسٌ قبل أن يكونَ عقلاً، والإنسانُ يسمعُ لما تقولُه نفسُه بأكثرَ مما يسمعُ لِما يقولُهُ له عقلُه. ولو أنَّنا استعنَّا بهذه الحقيقةِ القرآنيةِ لبَطُلَ العجَبُ، ولتبيَّنَت لنا العِلةُ من وراءِ إحجامِ السوادِ الأعظمِ من “العُقلاءِ” عن اتِّباعِ هَديِ الله وإيثارِهم بالمقابل أن يتَّبعوا الظنَّ وما تهوى الأنفس.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s