في معنى “وَاصِبًا” في قَولِ اللهِ تعالى “وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا”

نقرأُ في سورةِ النحل، وفي الآيةِ الكريمة 52 منها، قَولَ اللهِ تعالى (وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ). فما هو معنى “واصباً” في هذه الآيةِ الكريمة؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نتدبَّرَ الآياتِ الكريمةَ التالية:
1- (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) (من 154 آل عِمران).
2- (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (من 165 البقرة).
3- (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (من 139 النساء).
4- (وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (65 يونس).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة، أنَّ اللهَ تعالى قد اختصَّ نفسَه بمقاليدِ الأمرِ والقوةِ والعزةِ كلِّها جميعاً فلم يجعل لأحدٍ من خَلقِه منها إلا ما كشفت لنا النقابَ عنه آياتُ القرآنِ العظيم ذاتُ الصِلة. صحيحٌ أنَّ العزةَ هي للهِ جميعاً، إلا أنَّ اللهَ يؤتِيها مَن يشاءُ من عبادِه (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (من 8 المنافقون). واللهُ تعالى يُؤتي مُلكَه مَن يشاءُ من عبادِه (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (من 247 البقرة).
فمادامَ الأمرُ كلُّه لله، وكذلك القوةُ والعزة، فإنَّ الدينَ أيضاً كلَّه لله. ويؤكدُ ذلك قَولُ اللهِ تعالى “وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا”. فقَولُ اللهِ تعالى هذا إذ يصِفُ الدينَ، كلَّ الدينِ، بكلمةِ “واصِباً”، فإنَّه إنما يُذكِّرُ بالحقيقةِ القرآنيةِ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى هو أصلُ الدين، وبأنَّ كلَّ دينٍ، وإن حادَ به أهلُهُ عن مسارِه القَويم، هو في الأصلِ والمبتدأ إلهيُّ المصدر طالما كان اللهُ تعالى هو مَن علَّمَ آدمَ الدين. فبنو آدم هُم الذين “ابتدعوا” الدينَ وذلك بأن أحدثوا فيه ما لم يُنزِّله اللهُ تعالى. ولنا في “الرهبانيةِ” خيرُ برهانٍ ودليل على ما أحدثَهُ الإنسانُ في دينِ اللهِ تعالى و”ابتدعَه” مما لم يكُن فيه أصلاً. فاللهُ تعالى كتبَ الرهبانيةَ على طائفةٍ ممن سبقونا، وذلك ابتغاءَ رضوانِه ومرضاتِه، إلا أنَّ القومَ لم يرعَوها حقَّ رعايتها فابتدعوها وأضافوا إليها من البِدَعِ ما حادَ بها عن أصلِها الإلهي لتُصبِحَ بعدَها “شيئاً آخر” لا علاقةَ له البتَّة بذلك الأصلِ الإلهي: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) (من ٢٧ الحديد).
فقولُ الله تعالى “وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا” لَيُذكِّرُ بهذا الأصلِ الإلهي “للدين” الذي يُخطِئُ كلُّ مَن يظنُّ أنَّ الإنسانَ هو مَن أبدَعَهُ وصاغَ منهجَه! فكلُّ دينٍ من أديانِ بَني آدم، إن أنت تدبَّرتَهُ على ضوءٍ مما جاءك به قرآنُ اللهِ العظيم، قد أوجزَهُ قَولُ اللهِ تعالى: “وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا”.
إذاً فللهِ تعالى الدينُ كلُّه جميعاً. فالدينُ لغةً يأتي بصيغةِ المفردِ كما يأتي بصيغةِ الجمع. وقولُ اللهِ تعالى “وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا” يخصُّ الأديانَ كلَّها جميعاً ما كان منها باقياً على صيغتِه الإلهيةِ الأولى وما كان منها قد طالته يدُ الإنسانِ فابتدعته وجعلته مقطوعَ الصِلةِ بأصلِه الإلهي بهذا الذي أضافَهُ الإنسانُ عليها وأحدثَهُ من الأكاذيبِ والأباطيلِ والأراجيفِ والبِدَع!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s