في معنى “الإحسان” في القرآنِ العظيم

نقرأُ في سورةِ النحل، وفي الآيةِ الكريمة 90 منها، قولَ اللهِ تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). فما هو معنى “الإحسان” في القرآنِ العظيم؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نتدبَّرَ أمرَ اللهِ تعالى للذين آمنوا بالإحسان: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (من 195 البقرة). وأمرُ اللهِ تعالى للذين آمنوا بالإحسان لَيُذكِّرُ بما وردَ على لسانِ قومِ قارون الذين نصحوه بأن يُحسِنَ كما أحسنَ اللهُ تعالى إليه: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) (من 77 القصص).
فنصيحةُ القومِ لم تكن إلا تذكيراً لقارونَ بما جاءتهم به توراةُ اللهِ تعالى من وجوبِ المواظبةِ على الإحسان والإكثارِ منه والاستزادةِ من كلِّ قولٍ أو عملٍ يجعلُ صاحبَه عند اللهِ تعالى من المحسنين الذين قال فيهم قرآنُ اللهِ العظيم: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (134 آل عمران)، (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (من 69 العنكبوت)، (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (من 56 الأعراف)، (وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) (من 58 البقرة)، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (من 120 التوبة)، (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (من 22 يوسف)، (وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) (من 37 الحج).
فالمحسنون هُم الذين دأبُهم إتقانُ كلِّ عملٍ تعبدي أمرَ اللهُ تعالى به في قرآنِه العظيم عبادَه الذين آمنوا. والمحسنون هم الذين أجادوا تنفيذَ أوامرِ اللهِ تعالى لعبادِه الذين آمنوا فكان حقاً على اللهِ تعالى أن يمتدحَ حالَهم معه وأن يجعلَ قرآنَه العظيم يكيلُ لهم من مديحه ما بوسعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (26 يونس)، (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ) (من 30 النحل)، (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (10 الزمر)، (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) (من 31 النجم)، (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) (من 172 آل عمران).
فما كان للمحسنين ألا يجعلوا “الإحسانَ” مُرادَهم ومقصدَهم وقد علِموا أنَّ اللهَ تعالى قد أمرَ به واختصَّهُ بما جعلَه سبيلَ الوصولِ إليه والقربى منه: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) (من 15 الأحقاف)، (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) (من 178 البقرة)، (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (من 229 البقرة).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ الإحسانَ هو لا أكثرَ من أن يُتقِنَ العبدُ عملَه إتقاناً يكفينا أن نتبيَّنَ ما اختصَّه اللهُ تعالى به من عظيمِ القدرةِ بإذنِه على أن يجعلَ المحسنينَ من عبادِه أهلَ خاصَّتِه والمقرَّبين منه، أن نستذكرَ ما صحَّ عن رسولِ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم قولُه فيه “إنَّ اللهَ يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكم عملاً أن يُتقِنَه”. فإذا أردتَ أن تكونَ من المحسنين فما عليك إلا أن تحرصَ الحرصَ كلَّه على أن تُتقِنَ عبادتَك اللهَ تعالى الإتقانَ الذي يُشيرُ إليه حديثُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم هذا.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s