كأسُ الدُّنيا نِصفُها عُسرٌ ونِصفُها يُسر

ما كانَ اللهُ تعالى لِيَجعلَ أيامَ الدنيا يُسراً خالصاً لا يمازجُهُ عُسرٌ، فتزدادُ الدنيا بذلك قدرةً على اجتذابِ الإنسانِ إلى زخرُفِها وبَهرجِها فلا يُصبِحُ بمقدورِهِ بعدها أن يُفلِتَ من مُحكَمِ قبضتِها فيفِرَّ إلى اللهِ منها: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ. وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ. وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) (33- 35 الزخرف).
فاللهُ تعالى أعلمُ بالإنسانِ من نفسِه، وهو أقربُ إليه من أيِّ شيءٍ آخرَ من خَلقِه: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (14 المُلك). ولذلك كان حقيقاً على الدنيا أن تتعسَّرَ أيامُها ويتكدَّرَ صَفوُها. فاللهُ تعالى خلقَ الإنسانَ للآخرةِ ولم يخلقه لهذه الحياةِ الدنيا!
ولأنَّ الإنسانَ “مجبورٌ” بعقلٍ قد أسلمَ قِيادَه للنفسِ وهواها، فلقد وقرَ لديه بأنَّ الدنيا ليس فيها إلا هذا العُسرُ الذي توهَّمَ عقلُهُ هذا أنَّه كلُّ ما هنالك! فالإنسانُ، بهذا الإذعانِ منه لعقلِهِ المُصغي لنفسِهِ وهواها، لا يريدُ أن يُصدِّقَ أنَّ اللهَ تعالى ما خلقَ العُسرَ إلا ليضطرَّ الإنسانَ إلى عدمِ الركونِ إلى الدنيا التي تضطرُّ كلَّ مَن يلتجئُ إليها إلى الإحجامِ عن كلِّ ما يدعوهُ إلى الفرارِ منها إلى الله.
ولو أنَّ الإنسانَ نظرَ إلى الدنيا بعَينِ عقلٍ يأبى أن يسمعَ للنفسِ ولِما يُزيِّنُهُ له هواها، لكان بمقدورِه أن يتبيَّنَ هذا الأمرَ فيرى عُسرَ الدنيا على حقيقتِه، ولكانَ بوسعِهِ أيضاً أن يتبيَّنَ اليُسرَ الذي جعلَهُ اللهُ تعالى يصاحبُ العسرَ أينما حلَّ وارتحل! فكأسُ الدنيا نِصفُها عُسرٌ ونصفُها الآخر يُسر. وما عجزُنا عن تبيُّنِ امتلاءِ كأسِ الدنيا بهذا العُسرِ واليُسر إلا غَيضٌ من فَيضِ ما جرَّهُ علينا تحكيمُنا العقلَ في حالِنا مع اللهِ تعالى! فحالُنا مع اللهِ تعالى لم يُقدَّر لعقولِنا أن تتبيَّنَه على حقيقتِه التي حجبَها اللهُ تعالى عن كلِّ مَن حكَّمَ نفسَهُ وهواهُ في عقلِهِ! فلو أنَّنا حكَّمنا كلامَ اللهِ في حالِنا مع الله لكفانا قولُ اللهِ في الأمرِ: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (5- 6 الشرح).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s