في معنى قَولِ اللهِ تعالى “مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ”

نقرأُ في سورةِ التوبة، وفي الآيةِ الكريمة 113 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (وما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ). فما هو معنى “مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ”؟
يُعينُ على تبيَّنِ هذا المعنى أن نتدبَّرَ قَولَ اللهِ تعالى في الآية الكريمة 114 من سورة التوبة: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ). والسؤالُ هنا هو كيف تبيَّنَ لسيِدنا إبراهيم أنَّ أباه هو من أصحابِ الجحيم؟ وهل هناك من علاماتٍ فارقة بوسعِنا أن نُحدِّدَ بمقتضاها مَن من خلقِ الله هو من أصحابِ الجحيم؟ فلقد استعانَ البعضُ من غلاةِ المتطرفين بهذه الآيةِ الكريمة، وذلك ليُسبِغوا “تأصيلاً قرآنياً” مزعوماً على ما ذهبوا إليه من أنَّه يحقُّ لهم أن يُشخِّصوا مَن من الناسِ هو من أصحاب الجحيم! ولقد فاتَ هذا البعضَ أنَّ اللهَ تعالى لم يُبيِّن لنا في قرآنِه العظيم ما يُعينُ على هكذا تشخيص! فاللهُ تعالى قد اختصَّ نفسَه بالفصلِ بين العباد مَن منهم إلى الجنةِ ومَن منهم إلى الجحيم. فسيدُنا إبراهيم لم يتبيَّن له أنَّ أباه هو من أصحابِ الجحيم استدلالاً أو استنتاجاً أو استنباطاً أو قياساً، ولكنَّ الله تعالى هو من “بيَّنَ له” ذلك وعرَّفه بألا جدوى هنالك من الاستمرار في الدعاء لأبيه أما وقد تبيَّنَ له، بهذا التبيان الإلهي، أنَّه من أصحابِ الجحيم.
وبذلك فإنَّ الأمرَ هو عينُ ما حدثَ في عصرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم حيث كشفَ اللهُ تعالى النقابَ لرسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم عن “أصحابِ الجحيم” فبيَّنَ له مَن هم على وجهِ اليقين. ولقد بيَّنَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بدورِه للذين آمنوا معه هويةَ هؤلاء.
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أن ليس بمقدورِ أحدٍ من بعدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أن يُحدِّدَ على وجهِ اليقين مَن من الناسِ هو من أصحابِ الجحيم، وذلك شريطةَ ألا يكونَ قد اقترفَ جُرماً نصَّ صريحُ القرآنِ العظيم على أنَّ مَن اقترفَه هو من أصحاب الجحيم: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (93 النساء).
فاللهُ تعالى هو مَن أرى سيدَنا إبراهيم ما جعلَه يستقينُ أنَّ أباهُ هو من أصحابِ الجحيم، واللهُ تعالى هو مَن أرى رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم مَن مِن معاصريه هم من أصحابِ الجحيم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s