في معنى “وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ” في قَولِ اللهِ تعالى “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ”

نقرأُ في سورةِ المائدة، وفي الآيةِ الكريمة 15 منها، قولَ اللهِ تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ). فما هو معنى “وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ” في هذهِ الآيةِ الكريمة؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ الحقيقةَ التاريخيةَ التي مفادُها ما بالإمكانِ استخلاصُه بتدبُّرِ قَولِ اللهِ تعالى: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) (من 91 الأنعام). فالذين أوتوا الكتابَ من معاصري رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم كانوا يجعلونَ الكتاب “قراطيس”، وهي لفائفٌ تشتملُ كلُّ لفيفةٍ منها على بعضٍ مما جاءَ في الكتاب من آياتِ اللهِ التي أنزلَها على سيدِنا موسى.
ولقد كان من عادةِ أهلِ الكتاب أن يُبدوا بعضاً من هذه القراطيس فيُظهروها للعِيان ليُطلِعوا عليها معاصريهم ممن هم ليسوا من مِلَّتِهم، ويخفون كثيراً من تلك القراطيس فلا يطلعون عليها أحداً من غيرِ مِلَّتِهم. ولذلك فلقد جعلَ اللهُ تعالى لرسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم “الحجةَ البالغة” على مُعاصِريه من أهلِ الكتاب بأن أطلعَهُ على ما كانوا يُخفون في تلك القراطيس من العلم. وأنَّى لهذا ألاَّ يكونَ شهادةً لسيدِنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بأنَّه رسولُ اللهِ حقاً؟ فكيف تأتَّى لأحدٍ من غيرِ أهلِ الكتاب أن يطَّلِعَ على ما حرصوا أشدَّ الحِرصِ على إخفائه إن لم يكن اللهُ تعالى قد اختصَّهُ برحمتِه فأطلعَه على ما سبقَ وأن أنزلَه من العلم فيها؟!
ولقد شدَّدَ القرآنُ العظيم على ما لهذه “الحجةِ” من سلطانٍ هو كفيلٌ بأن يضطرَّ متدبِّرَها إلى وجوبِ الإقرارِ بأنَّ سيدَنا محمداً صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم هو رسولُ اللهِ تعالى حقاً:
1- (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ. بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) (48- 49 العنكبوت).
2- (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (197 الشعراء).
3- (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) (43 الرعد).
أما قولُ اللهِ تعالى “وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ”، فإنَّه يُشيرُ إلى الحقيقةِ القرآنيةِ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى إذ أطلَعَ رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم على شيءٍ مما اشتملت عليه تلك “القراطيس” من العلم، فإنَّه قادرٌ، إن شاء، على أن يُطلِعَه على كلِّ ما وردَ فيها. إلا أنَّه شاءَ ألا يفعلَ ذلك، فـ “عفا” بذلك عن ذكرِ الكثير مما ورد فيها من العلم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s