هل لِلجِنِّ رُسُلٌ مِن أنفسِهِم؟

صرفَ اللهُ تعالى نفراً من الجنِّ إلى سيدِنا محمد ليستمعوا لِما تيسَّرَ من القرآنِ ساعةَ نزولِ جبريلَ الأمينِ بهِ على قلبِهِ الشريف صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ. يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِين) (29- 32 الأحقاف).
فهؤلاءِ الجنُّ الذين صرَفَهم اللهُ تعالى إلى سيدِنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم آمنوا بالقرآنِ العظيم كما آمنوا بالتوراةِ من قبل. وهنا لابد لنا من أن نسألَ السؤالَ التالي: “أليسَ للجنِّ رسُلٌ من أنفسِهم حتى يؤمنوا بهم عِوضَ إيمانِهم برسلٍ من غيرِ أنفسِهم (أي من الإنس)”؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ قولَ اللهِ تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) (130 الأنعام). فللجنِّ إذاً رسُلٌ من أنفسِهم كما لبَني آدمَ رُسلٌ من أنفسهم. فلماذا إذاً صرفَ اللهُ تعالى هؤلاءِ النفرَ من الجِن ليستمعوا إلى القرآنِ وليؤمنوا به من بعدُ؟ فالجنُّ الذين آمنوا بالقرآنِ، ومن قبلهِ بالتوراةِ، كان لهم رسُلٌ من أنفسِهم، فلماذا تعيَّنَ عليهم إذاً أن يؤمِنوا بسيدِنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم وبسيدنا موسى عليه السلام من قبلُ؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ قولَ اللهِ تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (81- 82 آل عمران). فاللهُ تعالى لا يريدُ من عبادِه الذين آمنوا، جِناً كانوا أم إنساً، أن يُفرِّقوا بينه وبين رسُلِه فيؤمنوا ببعضٍ ويكفروا ببعض: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا. أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) (150- 151 النساء).
ولذلك فلقد أمرَ اللهُ تعالى الذين آمنوا بأن يؤمنوا برسُلِه كلِّهم أجمعين وبكتبِه التي أنزلَها عليهم كلِّها جميعاً: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (من 179 آل عمران)، (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (152 النساء).
فالجنُّ الذين صرفَهم اللهُ تعالى إلى رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم ليستمعوا القرآنَ كانوا من الذين آمنوا، ولأنهم كذلك فلقد كانوا محلَّ فتنةِ اللهِ وابتلائِه وتمحيصِه. ومن ذلك أن يُمتَحَنوا في إيمانِهم باللهِ تعالى، وبالكيفيةِ التي تكشفُ النقابَ عن حقيقةِ هذا الإيمان، وإن كانَ سيبقى على حالِهِ إن هُم سمعوا كتاباً مُصدِّقاً لما بين أيدِيهم أُنزِلَ على واحدٍ من الإنس.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s