لماذا لم يقبل اللهُ تعالى توبةَ فرعون؟

نقرأُ في سورةِ يونس، وفي الآياتِ الكريمة 90- 92 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ). فلماذا لم يقبل اللهُ تعالى توبةَ فرعون؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نتدبَّرَ الحقائقَ التالية:
الحقيقةُ الأولى هي ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (18 النساء). ففرعونُ الطاغية لم يؤمن إلا وهو مشرفٌ على الموت.
الحقيقةُ الثانية هي أنَّ فرعونَ الطاغية لم يفارقه استعلاؤه وتكبُّرُه حتى وهو يلفظُ أنفاسَه الأخيرة. وبرهانُ ذلك قولُه الذي حفظته لنا الآيةُ الكريمة 90 من سورة يونس أعلاه: (قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ). فلو أنَّه كان صادقاً فيما يقول لقالَ كما قال السحرةُ: (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) (من 70 طه). ففرعونُ لم يطاوعه لسانُه أن يقولَ إنَّه آمنَ بربِّ هارونَ وموسى! وأنَّى له ذلك وهو الذي كان لا يرى في سيدِنا موسى إلا ما حفظته لنا الآيةُ الكريمة 52 من سورة الزخرف: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِين).
الحقيقةُ الثالثة هي أنَّ فرعونَ الطاغية لم يكن ليكسبَ في إيمانِه خيراً لو أنَّ اللهَ تعالى نجَّاهُ فلم يُغرِقه مع مَن غرقَ من جنودِه! وما ذلك إلا لأنَّ طغيانَهُ كان سيُفضي به إلى الاعتراضِ على اللهِ تعالى بقولِهِ إنَّه كان هو الأجدرُ بأن يكونَ رسولَ اللهِ وكليمَه! وما ذلك بمستغربٍ منه، وهو الذي تشابَهَ قلبُهُ مع قلوبِ مَن كانوا يجادلون في رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بقولِهم إنَّهم أحقُّ منه بالرسالةِ: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (31 الزخرف)، (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (من 124 الأنعام).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ اللهَ تعالى لم يظلم فرعونَ الطاغية إذ لم يقبل توبتَه! فاللهُ تعالى يقولُ في قرآنِه العظيم: (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ. فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (39- 40 العنكبوت).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s