في معنى قَولِهِ تعالى “هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا”

نقرأُ في سورة الأنعام، وفي الآيةِ الكريمة 148 منها، قولَ اللهِ تعالى (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ). فما هو معنى “هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا” في هذه الآيةِ الكريمة؟
حملَ القرآنُ العظيم على الإنسانِ حملةً طالَت من ظنونِه وأوهامِه ما طالَت. وما ذلك إلا لأنَّ الإنسانَ يأبى إلا أن يُسلِمَ قِيادَهُ لهذه الظنونِ والأوهام، حتى وإن كان في ذلك ما قد يقتضي منه وجوبَ أن يُحِلَّها محلَّ الحقائقِ التي جاءَهُ بها دينُ اللهِ تعالى! ولذلك نقرأُ في قرآنِ اللهِ العظيم:
1- (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ. وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (19- 20 الزخرف).
2- (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى. وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (27- 28 النجم).
فالمُشركونَ كانوا لا يتورَّعونَ عن تسميةِ الملائكةِ تسميةَ الأنثى! فالملائكةُ عندهم قد خلقَها اللهُ تعالى إناثاً، كما يزعمون! كما واتَّخذَ المشركونَ الملائكةَ آلهةً وأرباباً من دونِ اللهِ تعالى، ولم يكتفوا بذلك بل ذهبوا بعيداً وإلى الحدِّ الذي جعلَهم يُسوِّغونَ لهذه “العبادةِ الضِّرار” بحجةٍ داحضةٍ مفادُها أنَّ اللهَ لو شاءَ ما عبدوا الملائكة! ولقد فنَّدَ اللهُ تعالى مزاعمَ المشركين ودحضَها، وذلك بمطالبتِهِ لهم بأن يأتوا ولو بآيةٍ من كتابٍ سبقَ وأن أنزلَهُ فيه برهانُ ما يزعمون.
ولقد زعمَ المشركونَ بأنَّ الحياةَ الدنيا هي كلُّ ما هنالك وألا آخرةَ هنالك! فما كان من اللهِ تعالى إلا أن ألزمَهم الحجةَ بتحدِّيهِ لهم أن يأتوا بما يُبرهنُ على صحةِ زعمِهم فيجيئوا بآيةٍ من كتابٍ، سبقَ قرآنَه العظيم، فيها برهانُ ما يزعمون: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (24 الجاثية). فالمشركونَ ليس بين أيديهم من علمِ، سبقَ وأن أنزَلهُ اللهُ تعالى، يؤيِّدُ زعمَهم بأن ليس هنالك آخرةٌ ولا قيامة!
فالمشركونَ في كلِّ زمانٍ ومكان يزعمونَ ما يزعمون دونَ بيِّنةٍ من علمٍ إلهي سبقَ وأن وردَ في كتابٍ أنزلَه اللهُ تعالى. وهذا هو المعنى الذي ليس بالعسيرِ علينا أن نتبيَّنَه إن نحنُ تدبَّرنا قولَ اللهِ تعالى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) (من 158 النساء)، وقولَ اللهِ تعالى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا) (5 الكهف).
وبذلك يتبيَّنُ لنا معنى قولِ اللهِ تعالى “هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا” الواردِ في الآية الكريمة 148 من سورةِ الأنعام أعلاه. فاللهُ تعالى أمرَ الذين آمنوا أن يستعينوا في مجادلتِهم الذين أشركوا بالحجةِ الواردةِ في قولِه تعالى “هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا”، وذلك لأنَّ الذين أشركوا ليس بحوزتِهم أيُّ أثارةٍ من “علمٍ إلهي” يؤيدُ ما يزعمون. وهذا هو ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِنا ما فصَّلته لنا الآيةُ الكريمة 4 من سورةِ الأحقاف: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). فـ “الكتاب” في هذه الآية الكريمة هو كتابٌ من عندِ الله، و”العلمُ” في هذه الآيةِ الكريمة هو علمٌ من عندِ الله، ومن نافلةِ القولِ إنَّ المشركين ليس لديهم هذا ولا ذاك!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s