في معنى قَولِهِ تعالى “أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ”

يأبى الإنسانُ إلا أن يُحكِّمَ عقلَهُ فيما لم يُخلَق ليتعاملَ معه! ومن ذلك تحكيمُ الإنسانِ عقلَه في دينِ اللهِ تعالى وبما ينجمُ عنه، لا محالةَ، ظهورُ “دينٍ آخر” غيرَ دينِ اللهِ تعالى! ويشهدُ تأريخُ الإنسانِ بما جرَّهُ هذا التحكيمُ الضالُّ الظالمُ على الإنسانيةِ من وَبيلِ الشرور! فكلُّ الحروبِ التي شنَّها الإنسانُ على أخيهِ الإنسان، انتصاراً منه (في ظنِّهِ الواهم) لدينِ الله، لم تكن إلا نصرةً من جانبِه للدينِ الذي “ابتدعَه عقلُه” وصاغَ مادَّتَه من بناتِ أفكارِه وظنونِه وأوهامِه!
ولقد فنَّدَ اللهُ تعالى في قرآنِهِ العظيم هذه النزعةَ، التي يُصِرُّ الإنسانُ على الجنوحِ إليها، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم) (16 الحجرات).
2- (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (18 يونس).
3- (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) (من 140 البقرة).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ معنى قولِ اللهِ تعالى “أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ” بالإمكانِ تبيُّنُه إذا ما نحن استذكرنا عبارةَ “اللهُ أعلم”؛ فاللهُ أعلمُ منا وهو أدرى بدينِهِ منا وبما يُوجِبُ علينا ألا نُحكِّمَ عقولَنا فيما جاءنا بهِ دينُ اللهِ تعالى. فاحتكامُ العقلِ إلى دينِ اللهِ شيء وتحكيمُ العقلِ فيه شيءٌ آخر. وإذا كنا لا نفتأُ نُردِّدُ عبارةَ “اللهُ أكبر” كلما واجهنا ما يتحدَّى يقِينَنا بألا مخلوقَ ولا شيءَ أكبرُ من الله، فكذلك يتوجَّبُ علينا بالمثل أن نقولَ “اللهُ أعلم”، وأن نعيَ ما نقول، كلما جابهنا ما يتحدَّى إيمانَنا بدينِ اللهِ تعالى، على أن يكونَ بيِّناً جَلياً لنا أنَّ قولَنا “اللهُ أعلم” لَيستندُ إلى ما جاءنا به دينُ اللهِ تعالى من علمٍ كفلَ لنا اللهُ تعالى به أن نقولَ، وبكلِّ قوةٍ وحزم، “اللهُ أعلم”. فعبارةُ “اللهُ أعلم” لا تُرجئُ الأمرَ إلى “مجهولٍ” لا نعلمُه، وذلك كما يظنُّ كثيرٌ منا! فعلَينا أن نُدركَ ونستيقنَ أنَّ اللهَ أعلمُ من كلِّ مَن يظنُّ أنَّ ما بين يدَيه من العلم يؤهِّلُه ليقولَ فيما جاءَ به دينُ اللهِ تعالى ما لا يتَّفِقُ معه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s