في معنى قولِ اللهِ تعالى “فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ”

نقرأُ في سورةِ يونس وفي الآيةِ الكريمة 93 منها، قولَ اللهِ تعالى (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ). فما هو معنى “فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ” في هذه الآيةِ الكريمة؟
بدايةً لابد وأن نستذكرَ موطنَين قرآنِيَين آخرَين وردَ فيهما ما يُذكِّرُ بقولِ اللهِ تعالى هذا: (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) (من 14 الشورى)، (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) (من 19 آل عمران).
وقبلَ الإجابةِ على هذا السؤال، لابد لنا من أن نتبيَّنَ أنَّ “العلمَ” في القرآنِ العظيم لا علاقةَ له من قريبٍ أو بعيد بالعلم كما نعرفُه والذي هو ضديدُ الجهل. فـ “العلمُ” في القرآنِ العظيم هو العلمُ الذي اختصَّ اللهُ تعالى به نفسَه والذي إن شاءَ أطلعَ من يشاءُ من عبادِه على ما يشاءُ منه. ومن ذلك قولُه تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) (من 255 البقرة). وهو العلمُ الذي تُشيرُ إليهِ الآيةُ الكريمة (قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ) (من 23 الأحقاف). وهذا العلمُ هو الذي تُشيرُ إليه الآيةُ الكريمة (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (85 الإسراء).
فـ “العلمُ” في القرآنِ العظيم مصدرُه إلهيٌّ غيرُ بشري، وهو لا يُكتسَبُ باجتهادٍ أو مهارة، ولكن يتلقَّاهُ مَن يشاءُ له اللهُ تعالى أن يتلقاه: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ..) (من 61 آل عمران)، (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير) (من 120 البقرة)، (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ) (من 43 مريم)، (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ) (من 43 النمل).
وهذا “العلمُ” الإلهي هو الذي تلقَّاهُ مَن شاءَ لهم اللهُ تعالى أن يتلقُّوه، وهو الذي صاروا يُعرفون به، فأصبحوا يُشارُ إليهم بأنَّهم “أولوا العلم” و”الذين أوتوا العلم”: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (من 11 المجادلة)، (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (18 آل عمران)، (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) (من 107 الإسراء)، (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) (من 54 الحج)، (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) (من 80 القصص)، (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (من 49 العنكبوت)، (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ) (من 56 الروم)، (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (6 سبأ)، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا) (من 16 محمد).
وأولو العلم الذين أوتوا العلمَ هم “الراسخون في العلم” الذين تشيرُ إليهم الآيتانِ الكريمتان من سورةِ آل عِمران: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) (من 7 آل عمران)، (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) (من 161 آل عِمران).
وقد وردت في قرآنِ اللهِ العظيم كلمةُ “العلماء” مرةً واحدة: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (من 28 فاطر). فمن هم هؤلاءِ “العلماء”؟ وهل هُم ذاتُ “العلماء” الذين هُم ضديدُ الجهلاء؟ “العلماءُ” عند اللهِ تعالى هم غيرُ العلماء عندنا. فالعلماءُ عند اللهِ تعالى هم الذين آتاهم اللهُ تعالى من العلمِ ما يشاء أو الذين يتدبَّرون هذا العلمَ تفكُّراً ودراسة.
وسيدُنا طالوت هو من هؤلاءِ “العلماءِ” الذين ذكرَهم القرآنُ العظيم بقولِ اللهِ تعالى: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) (من 247 البقرة).
ولقد أنبأنا قرآنُ اللهِ العظيم بحالِ أولئك الذين يُريدون أن يُفرِّقوا بين اللهِ ورسُلِه زعماً منهم بأنَّ ما بين أيديهم من العلم هو كلُّ ما أنزلَه اللهُ تعالى وأن ليس هنالك من علمٍ مُنزَّلٍ من اللهِ من بعده: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (101 البقرة). وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّر الآية الكريمة (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (83 غافر).
فـ “العلمُ” في القرآنِ العظيم إذاً هو علمُ اللهِ تعالى. واللهُ تعالى يَقسِمُ من هذا العلمِ ما يشاء لمن يشاءُ من عبادِه قسمةً هو أعلمُ بها، وإن شاء لا يجعلُ لمن يشاء حظاً من هذا العلم. فمبلغُ كثيرٍ من الناسِ من علمِ اللهِ تعالى هو ألا يحظوا من هذا العلمِ بشيء: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) (29- من 30 النجم).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ الأمرَ ليس لنا حتى نضاهيَ بين العلم كما يُعرِّفُه القرآن وبين العلم كما تُعرِّفه عقولُنا. فاللهُ تعالى اختصَّ علمَه فجعلَه يُعرَّفُ بكلمة “العلم”. فعلمُ اللهِ تعالى هو العلم حقاً، وكلُّ “علمٍ” آخرَ غيرُه لا ينبغي أن يوصَفَ بـ “العلم” كما يُعرِّفُه القرآنُ العظيم.
وبذلك يتبيَّنُ لنا أنَّ معنى قولِ الله تعالى “فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ” يشيرُ إلى ما دبَّ بين مجتمعِ أهلِ الكتاب من معاصري رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم من فرقةٍ واختلاف بعد أن أنزلَ اللهُ قرآنَه العظيم، إذ كفرَ به منهم مَن كفر وآمنَ به منهم من آمَن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s