تجلياتٌ معاصرة للآيةِ الكريمة “قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ”

نقرأُ في سورةِ البقرة، وفي الآيةِ الكريمة 30 منها، قولَ اللهِ تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
فإذا كان الملائكةُ يشيرونَ بقولِهم “أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ” إلى مَن أمرَهم اللهُ تعالى بأن يُبقوا عليه وأن يجعلوه بمنأى عن أن يُصيبَه ما سيصيبُ مَن كان يفسِدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماءَ من العذاب الذي أمرهم بأن يُنزِلوه بساحتِهم، وذلك لأنَّه جاعلهُ في الأرضِ خليفةً من بعدِهم، فإنَّ قولَ الملائكةِ هذا لهُ تجلياتٌ معاصرةٌ لا يملكُ العاقلُ الحصيفُ غيرَ أن يستذكرَها ويتدبَّرَها.
فما أشبهَ العالَمُ اليومَ بالعالَمِ يومَ كانت الأرضُ مرتعاً لمَن وصفتهم الملائكةُ بقولِهم إنه “يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ”! فالعالَمُ اليومَ مسرحٌ يتقاتلُ على جنَباتِه بنو آدمَ فيقتلُ الأخُ أخاهُ لهذا أو ذاك من الأسباب التي وإن تعدَّدت وتنوعَّت فإن النتيجةَ واحدةٌ: أشلاءٌ ودماءٌ وفسادٌ في الأرضِ كبير!
وإذا كان اللهُ تعالى قد ألزمَ الملائكةَ الحجةَ بقولِهِ لهم “إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”، فإنَّ قولَ اللهِ تعالى هذا هو ما ينبغي أن يستذكرَه كلُّ “مَن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد”، وهو ينظرُ إلى العالَمِ وقد ظهرَ في أرضِهِ الفسادُ بما كسبَت يدُ الإنسان. صحيحٌ أنَّ المرءَ لَيعجبُ كيفَ يرضى اللهُ تعالى أن تُراقَ في الأرضِ كلُّ هذه الدماء دونَ أن “يتدخَّلَ” ليحولَ دون ذلك، غيرَ أنَّ في قَولِ اللهِ تعالى لملائكتِه “إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ” ما هو كفيلٌ بجعلِنا نستيقنُ أنَّ مَن جعلَ العُسرَ يصاحبُهُ يسرٌ لابدَّ وأن يجعلَ، وكما وعدَ، بعدَ عسرٍ يُسرا.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s