التجسيمُ والعقلُ التوحيدي… قومُ سيدِنا موسى مثالاً

يأبى عقلُ الإنسانِ إلا أن يجعلَ “للمجرَّداتِ” ما يُمكِّنُهُ من أن يتقبَّلَها فيُضيفَها إلى حصيلةِ ما تأتَّى له الحصولُ عليهِ من مفرداتٍ هي نِتاجُ عمليةِ تفاعُلِهِ مع ما قُدِّرَ له أن يتفاعلَ معه من وقائعِ وأحداثِ هذا الوجود. ولذلك كان التديُّنُ الحَق بِدينِ اللهِ الحَق أمراً عسيراً ليس باليسيرِ إتقانُهُ وعلى الوجهِ الذي أمرَنا اللهُ تعالى به. فإذا كان العقلُ البشري ميَّالاً إلى النفورِ من كلِّ ما يقتضيه منه التديُّنُ الحَق بدينِ اللهِ الحق من وجوبِ ألا يُشرِكَ باللهِ شيئاً، فإنَّ هذا العقلَ لَهوَ أشدُّ نفوراً مما يتطلَّبُه توحيدُ اللهِ تعالى من “تجريدٍ” لا قِيامَ له إلا على أساسٍ من قطعِ أيِّ صِلةٍ لتصوُّرِنا للهِ تعالى بنزوعِنا إلى إسباغِ هذه الصورةِ أو تلك على ما لا ينبغي أن يكونَ لهُ أيُّ صورةٍ أو مثال، وذلك طالما كان اللهُ تعالى ليس كمثلِه شيء! ولذلك كان التسبيحُ للهِ تعالى هو الرُّكنُ التعبُّدي الذي شدَّدَ عليه اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم أعظمَ التشديد. فاللهُ تعالى أمرَنا في قرآنِه العظيم بأن نواظِبَ على التسبيحِ له ليلَ نهار وصبحَ مساء وقبلَ شروقِ الشمسِ وقبلَ غروبِها. فالتسبيحُ للهِ تعالى هو إقرارٌ من العبدِ بأنَّ اللهَ تعالى ليس كمثلِه شيء وألا قدرةَ لعقلِ مخلوقٍ على أن ينالَ اللهَ تعالى بتصورٍ أو بتشبيه.
ولنا في قصةِ سيدِنا موسى مع قومِه ما ينبغي أن نستقِيَ منه من الدلالاتِ والعِبَر ما إن نحنُ أدَمنا تذكُّرَه وتدبُّرَه كان لنا أن نضطرَّ عقولَنا إلى الإحجامِ عن الجنوحِ إلى ما جُبِلَت عليه من مَيلٍ جامحٍ إلى “التجسيم”، والذي يجعلُها تُسبِغُ على كلِّ ما هو “مجرد” ما يجعلُ بمقدورِها أن تتصوَّرَه على هذا أو ذاك من الأشكالِ والأجسام. لنتدبَّر الآياتِ الكريمةَ التالية: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (138- 140 الأعراف).
فقومُ سيدِنا موسى كانوا موحِّدين للهِ تعالى غيرَ مشركينَ به. غير أنَّ عقولَهم لم يكن من اليسيرِ عليها أن تتقبَّلَ الإيمانَ بـ “إلهٍ” غيرِ مرئي يتعذَّرُ الوصولُ إليه! فتوحيدُ اللهِ تعالى لا يكفي حتى يُتقِنَ العبدُ تديُّنَه بدينِ اللهِ الحق، وذلك طالما كان العقلُ البشري لا قدرةَ له على “التعاملِ المعرفي” مع ما هو ليس بمرئي. ولقد أسرَّ قومُ سيدِنا موسى هذا الأمرَ في أنفسِهم ولم يُبدوه له في حينِها. فما أن غابَ عنهم سيدُنا موسى في رحلتِهِ لميقاتِ ربِّه حتى أخرجوا إلى العلنِ ما كان مضمراً فاتَّخذوا العجلَ إلهاً لهم زعماً منهم بأنَّه إلهُهُم وإلهُ موسى:
1- (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ) (148 الأعراف).
2- (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) (51 البقرة).
3- (قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ. فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) (87- 88 طه).
تُقدِّمُ لنا قصةُ قومِ سيدِنا موسى هذه إجابةً على السؤال الذي مفادُه “لماذا أمرَنا اللهُ تعالى بأن نُسبِّحَ له؟”. فتسبيحُنا للهِ تعالى، إن نحنُ قُمنا به على الوجهِ الذي أمرَنا اللهُ تعالى به، كفيلٌ بأن يجعلَ عقولَنا تتورَّعُ عن فعلِ ما جُبِلَت عليه من جنوحٍ إلى إسباغِ “التجسيمِ” على المجرَّدات. فاللهُ تعالى ما أمرَنا بعبادتِه إلا لأن في ذلك أعظمَ الخيرِ لنا. فتسبيحُنا للهِ إذاً عاصمٌ لنا من أن نكونَ كأولئك الذين ظنُّوا أنَّ “الإقرارَ العقلي بوحدانيةِ اللهِ” هو كلُّ ما يقتضيهِ الأمرُ حتى نكونَ موحِّدين لله حقاً!!! إنَّ توحيدَ اللهِ تعالى أمرٌ يتطلَّبُ من العبدِ المواظبةَ على عبادةِ اللهِ تعالى وبالكيفيةِ التي فصَّلَها لنا دينُه الحنيف وبيَّنَها لنا قرآنُه العظيم تسبيحاً للهِ وتنزيهاً له عن أن يكونَ كما تُريدُ عقولُنا أن تتصوَّرَه وتتوهَّمَه!
فلنُكثِر إذاً من التسبيحِ للهِ تعالى حتى لا يكونَ حالُنا مع اللهِ تعالى حالَ أولئك الذين اتَّخذوا العجلَ والعياذُ بالله!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s