وَعيدُ اللهِ مِن تجلياتِ رحمتِهِ بِعِبادِه… أوائلُ سورةِ التحريمِ مِثالاً

نقرأُ في سورةِ التحريم: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ(3) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4)).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هاتَين الآيتَين الكريمتَين، أنَّ اللهَ تعالى لم يستثنِ من وجوبِ الامتثالِ لأمرِهِ أحداً من خَلقِه حتى ولو كان من خاصةِ المقرَّبين من سيدِ خلقِه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم. ولقد اشتملَ خطابُ اللهِ تعالى المُوجَّهُ إلى اثنتَين من أزواجِ سيدِنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم على وعيدٍ لهما لم يخلُ باطنُهُ من رحمةٍ ليس بالعسيرِ تبيُّنُها. صحيحٌ أنَّ اللهَ قد توعَّدَهما بأنَّهما إن لم تتوبا إلى الله فإنَّه سيتعيَّنُ عليهما أن يُواجِها ويُجابِها رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم مؤيَّداً باللهِ وجبريلَ وصالحِ المؤمنين والملائكة، إلا أنَّ اللهَ قد قدَّمَ التوبةَ على الوعيد. وإذا كان اللهُ تعالى قد أمعنَ في تهديدِه لهما بأنَّهُ إذا ما طلَّقَهما رسولُه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم فإنَّه سيزوِّجُه بمن هن خيرٌ منهن، فإنَّه لم يوصد بابَ التوبةِ في وجهِهما إن هما اتَّعظتا بما أوردَه من نبأِ امرأتَين آثرت كلُّ واحدةٍ منهما أن تخونَ زوجَها النبي وذلك بخيانةِ اللهِ من قبلُ إمعاناً في عصيانِ ما أمرَ به: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) (10 التحريم)، وبما أوردَه من حالِ امرأتينِ أُخريَين مع اللهِ امتدحَهُ اللهُ إذ جعلهما مثلاً للذين آمنوا رجالاً ونساءً: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (11-12 التحريم).
فرحمةُ اللهِ إذاً متضمَّنةٌ في وعيدِه. والأمرُ متروكٌ للعبدِ إن شاءَ تابَ فأناب، وإن شاءَ أمعنَ في غَيِّهِ فجانبَ الصواب.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s