هل للشيطانِ سُلطانٌ على الإنسان؟ (٢)

يُلقي الإنسانُ باللائمةِ على الشيطانِ في محاولةٍ منه للتسويغِ لما يصدرُ عنه من خبيثِ القولِ والعمل! ولقد توارثَ السوادُ الأعظمُ من بَني آدمَ هذه المقاربةَ جيلاً بعد جيل. فالإنسانُ، وعلى مَرِّ العصورِ وكَرِّ الدهور، لم يكن ليُصدِّقَ أنَّه هو المسؤولُ والمُلامُ على ما جنته يداه! وإن نحن تصفَّحنا كتبَ التأريخ، فلن يكونَ بالعسيرِ علينا أن نتبيَّنَ ما عزاهُ الإنسانُ إلى الشيطانِ من “تدخُّلاتٍ” في حياتِهِ، وذلك للتسويغِ لكلِّ ما هو شائنٌ من أقوالِهِ وأفعالِه! وهذا الدأبُ على إلصاقِ التهمةِ بالشيطانِ، وإلقاءِ اللائمةِ عليه، لم تخلُ منهُ حضارةٌ أو مَدَنيةٌ أو ثقافة، حتى لكأنَّ الغالبيةَ العظمى من بَني آدمَ قد تواصَوا به فأوصى بذلك بعضُهم بعضاً!
وحقيقةُ الأمرِ هي ما فصَّلَه قرآنُ اللهِ العظيم وبيَّنته آياتُهُ الكريمة. فالشيطانُ ليس له على الإنسانِ من سلطانٍ إلا بما مكَّنَه من ذلك هَوى الإنسانِ وأعانته على ذلك نفسُه الأمارةُ بالسوءِ إلا ما رحِمَ الله. وهذا هو ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيةِ الكريمة 22 من سورةِ إبراهيم (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
فالشيطانُ ليس مسؤولاً عن الفظائعِ التي جَنَتها يدُ الإنسانِ على مَرِّ التاريخ! فالإنسانُ هو الذي أظهرَ الفسادَ في الأرضِ بما كسبتهُ يداه! فالأمرُ لا يحتاجُ تسلُّطَ الشيطانِ على الإنسانِ حتى يظهرَ الفسادُ في الأرض! فالأمرُ لا يحتاجُ غيرَ أن يُصغِيَ الإنسانُ إلى نفسِه وهواه حتى تظهرَ على يدَيه من صنوفِ الفسادِ ما ليس بمقدورِ مخلوقٍ آخرَ أن يأتيَ به سِواه!
إنَّ تذرُّعَ الإنسانِ بهذا السلطانِ المزعومِ للشيطانِ عليه لَيتعارَضُ مع الحقيقةِ القرآنيةِ التي مفادُها أنَّ هذا السلطانَ لا يتجاوزُ الإيحاءَ والغِواية. فالشيطانُ لم يُجِزهُ اللهُ تعالى بأن يكونَ له على الإنسانِ من سلطانٍ إلا بما أتاحَهُ لهُ الإنسان من إصغاءٍ لإيحائهِ وغِوايتِه، وبما لا ينجمُ عنه من تسلُّطٍ للشيطانِ عليه يضطرُّهُ لا محالةَ إلى خبيثِ القولِ والعمل.
ولقد فصلَ القرآنُ العظيمُ الأمرَ بقولِهِ الفصل بهذا الشأن، والذي بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِنا الآياتِ الكريمةِ التالية: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) (98- 100 النحل).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s