في معنى قَولِهِ تعالى “فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ”

نقرأُ في سورةِ المائدة، وفي الآيتَين الكريمتَين 44- 45 منها، قولَ اللهِ تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). فما هو معنى قولِ الله تعالى “فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ”؟
يُعينُ على تبيُّنِ معنى قَولِ اللهِ تعالى هذا أن نتدبَّرَ الآياتِ الكريمةَ التالية:
1- (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (40 الشورى).
2- (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم) (من 22 النور).
3- (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (من 134 آل عمران).
4- (وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (من 13 المائدة).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة، أنَّ اللهَ قد جعلَ من الإحسانِ، الذي يحبُّ أن يرى عبادَه يُسارِعونَ إلى التحلِّي به، أن يُغلِّبَ المرءُ ما يُحبُّهُ اللهُ على ما تُؤثِرُهُ نفسُه ويحبُّهُ هواه. فالأنفسُ قد جُبِلَت على كلِّ ما يتعارضُ مع ما يقومُ عليهِ دينُ اللهِ من وجوبِ الإعراضِ عما تدعو إليهِ نوازعُ العدوانِ الظالمِ والطغيانِ واللذان ابتُلِيَ بهما الإنسانُ فجعلاهُ لا تقرُّ له عينٌ ولا يسكنُ له عقلٌ إلا من بعدِ أن يردَّ على الإساءةِ بالإساءةِ أو بما هو أسوأ منها. فنفسُ الإنسانِ ميالةٌ إلى طلبِ الثأر، جانحةٌ إلى الإصرارِ على إنفاذِهِ، حتى وإن كانَ في العفوِ ما يرتقي بصاحبِها فيعلو بذلك شأنُهُ عند اللهِ تعالى. ولذلك جعلَ اللهُ تعالى الصفحَ والعفوَ والردَّ على الإساءةِ بالإحسان سُبُلاً إلى نَيلِ عفوِهِ ومرضاتِه. فدينُ اللهِ ما شرَعَهُ اللهُ إلا لِيُمكِّنَ كلَّ مَن يتديُّنُ به التديُّنَ الحق من السموِّ والارتقاءِ إلى مصافٍ جعلَها اللهُ تعالى حِكراً على عبادِهِ الذين سبقت لهم منه الحسنى.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s