عَصا موسى وثُعبانُ الله!

سمَّى اللهُ تعالى الناقةَ التي أرسلَها آيةً إلى قومِ سيدِنا صالح بـ “ناقةِ الله”: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (73 الأعراف). ولقد سمَّى اللهُ تعالى تلك الناقةَ بـ “ناقةِ الله”، وذلك للتذكيرِ بأنَّها ليست كغيرِها من النُّوقِ التي تولَدُ لأبوَين. فناقةُ اللهِ خلقَها اللهُ تعالى من ذاتِ الصخرِ الذي جابَه قومُ سيدِنا صالح بالوادي (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي) (9 الفجر).
وهذه الخلقةُ الاستثنائيةُ الفريدةُ، التي تمايزت بها ناقةُ اللهِ عن غيرِها من نُوقِ الأرض، توجِب علينا أن نُدركَ أنَّ ما تواضعنا عليه من خَلقٍ مُسبَّبٍ بالقوانينِ والأسباب هو ليس كلَّ ما هنالك من تجلياتٍ لقدرةِ اللهِ على الخلق. فاللهُ تعالى قادرٌ على أن يخلقَ ما يشاء من دونِ قوانينَ ومن دونِ أسباب. وما ناقةُ اللهِ إلا مثالٌ قرآنيٌّ واحدٌ من الأمثلةِ التي جاءنا بها القرآنُ العظيم، والتي تبرهنُ على أنَّ قدرةَ اللهِ تعالى على الخلق لا تحدُّها قوانينٌ ولا تُحدِّدُها أيُّ أسباب.
ولقد وردَ في القرآنِ العظيم أيضاً مثالٌ آخر على قدرةِ اللهِ تعالى على أن يخلقَ ما يشاء بأن يقولَ للشيءِ إذا أرادَهُ: “كن فيكون”. فاللهُ تعالى صيَّرَ عصا سيدِنا موسى ثعباناً مبيناً وحيةً تسعى: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ) (107 الأعراف)، (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) (20 طه).
وبذلك تخفِقُ كلُّ جهودِ ومساعي أولئك الذين يُريدونَنا ألا نؤمنَ بغيرِ ما يقولُ به العقل! فالعقلُ الذي لا تقومُ له قائمةٌ إلا على أساسٍ من تواترِ القوانينِ والأسباب لن يكونَ بمقدورِه أبداً أن يُعلِّلَ لـ “ناقةِ اللهِ” ولا لـ “ثعبانِ الله” بما قُدِّرَ له أن يُحيطَ به من قوانينَ وأسباب! فيكفي العقلَ عجزاً عن أن يكونَ له القولُ الفصلُ وفصلُ الخطاب ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه من عظيمِ قدرةِ الله بتدبُّرنا الآيةِ الكريمة 21 من سورةِ طه: (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى). فها هي عصا سيدِنا موسى يُعيدُها اللهُ تعالى سيرتَها الأولى، وها هو “ثعبانُ اللهِ” يُعيدُهُ اللهُ إلى ما كان عليه قبل أن يُصيِّرَه حيةً تسعى: عصاً لا تختلفُ في شيءٍ عن أيِّ عصاً أخرى.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s