هل أنت من القلةِ الشاكرة؟

ليس بين أيدينا وثيقةٌ تُضاهئُ القرآنَ العظيم في وصفِه الإنسانَ، في كلِّ زمانٍ ومكان، وبما هو عليه حقاً وحقيقةً من صفاتٍ وخِصالٍ تتمايزُ بها جِبلتُه عن غيرِهِ من المخلوقاتِ التي تُشاركُهُ سُكنى هذه الأرضِ من نباتٍ وحيوان. ففي القرآنِ العظيمِ نجدُ التوصيفَ الذي يقدِرُ الإنسانَ حقَّ قدرِه دونما بخسٍ أو تعظيم. فالإنسانُ في القرآنِ العظيم ظلومٌ جَهول، كفورٌ قتور، جَزوعٌ هَلوع. وهذا غيضٌ من فَيضِ ما استفاضَ به القرآنُ العظيم في بيانِه وتفصيلِه لهذا الذي هو عليهِ الإنسانُ، وذلك إذا ما هو أصرَّ على أن ينأى بنفسِهِ بعيداً عن صراطِ اللهِ المستقيم الذي كفلَ اللهُ تعالى له به أن يرقى فوقَ هذه الصفاتِ والخصال فيسموَ إلى ما يجعلُه أهلاً لأن يكونَ “الإنسانَ الكاملَ الفاضل” الذي خُلِقَ ليكونَه. فإن أبى الإنسانُ إلا أن يبقى أسيرَ جِبلتِه، فيُحدِّدُه بذلك ما شابَ وخالطَ مسيرةَ نشأتِه، فلن ينتهيَ به الأمرُ بعدها إلا إلى أن يبقى الإنسانَ الذي يُريدُنا اللهُ تعالى أن نَفِرَّ منه إليه.
فالإنسانُ على سبيلِ المثال، وبسببٍ من هذه الشوائبِ التي خالطَت مسيرةَ نشأتِه، لا يشكرُ اللهَ تعالى بالقدرِ الذي كان ليُعينَهُ على أن يرتقِيَ فيعلوَ ويسموَ ويتحرَّرَ من عبوديتِه لنفسِه التي تريدُه أن يبقى أسيرَها أبَدَ الدهر! ولذلك وُصِفَ الإنسانُ، الذي هذا هو حالُهُ مع اللهِ تعالى، في القرآنِ العظيم، بما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمة التالية: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (من 13 سورة سبأ)، (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) (من 10 الأعراف)، (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (من 17 الأعراف).
ولذلك أمرَ اللهُ تعالى رسُلَه وأنبياءَه وعبادَه الصالحين بأن يشكروا له. فاللهُ تعالى أمرَ سيدَنا موسى عليه السلام بأن يشكرَه: (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (من 144 الأعراف). كما وأمرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بأن يشكرَه: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (66 الزُّمَر). فلو كانَ شكرُ اللهِ مما جُبِلَت عليه النفوسُ لما أمرَنا اللهُ بأن نشكرَ له: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (12 لقمان).
فالإنسانُ الراغبُ في التحرُّرِ من نَيرِ العبوديةِ للنفسِ والهوى مُلزَمٌ بأن يُطيعَ اللهَ تعالى فيشكرَ له، وذلك طالما كان شكرُ اللهِ تعالى هو السبيلَ الوحيد الذي يُمكِّنُ الإنسانَ من أن يرتقِيَ إلى ما خُلِقَ ليُصبِحَه ويكونَه! فشكرُ اللهِ تعالى إذاً هو مفتاحُ الترقِّي والارتقاء، وذلك طالما لم يكن متاحاً سبيلٌ غيرُه يُمكِّنُنا من تحقيقِ ما خُلِقنا لنُصبِحَه ونكونَه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s