الخليفة… استخلافٌ أم خلافة؟

جعلَ اللهُ تعالى آدمَ في الأرضِ خليفة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (من 30 البقرة). واستخلافُ اللهِ تعالى لأبينا آدمَ كان بأن جعلَه “يخلفُ” مَن كان يُفسِدُ في الأرضِ ويسفِكُ الدماء. ولقد تساءلَ الملائكةُ، الذين قالَ لهم اللهُ تعالى إنَّه جاعلٌ في الأرضِ خليفة، عن العلةِ من وراءِ “الإبقاءِ” على مَن ظنُّوا أنَّه لا يختلفُ في شيءٍ عن أولئك الذين كانوا يفسدونَ في الأرضِ ويسفكونَ الدماء، فبيَّنَ اللهُ تعالى لهم أنَّ هنالك من أمرِ هذا الخليفةِ ما لم يُعلِمهم به بعد: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (30 البقرة).
فاللهُ تعالى خلقَ آدمَ في أحسنِ تقويم حتى ولو لم يكن بمقدورِ الملائكةِ أن يتبيَّنوا هذه الحقيقةَ التي غيَّبَها اللهُ تعالى عنهم حتى حين (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (4 التين). ولقد جعلت خِلقةُ “أحسنِ تقويم” هذه أبوَينا آدمَ وزوجَه “مُؤهَّلَين” لأن يُسكنَهما اللهُ تعالى جنةَ المأوى؛ هذه الجنةُ التي لم يطُل لأبوَينا فيها المُقامُ من بعدِ أن اضطُرَّا إلى الهبوطِ منها إلى الأرضِ تارةً أخرى، وذلك بُعيدَ أكلِهما من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ عنها. وآدمُ الذي استخلفَهُ اللهُ تعالى أولَ مرة، فجعلَه في الأرضِ خليفة، هو غيرُ آدمَ الذي عادَ إلى الأرضِ مرةً أخرى! فآدمُ العائدُ إلى الأرضِ سوف يتعيَّنُ عليه أن يعبدَ اللهَ وأن يُبيِّنَ لبَنيهِ ما أنبأهُ به اللهُ من أنَّه يتوجَّبُ عليهم إما أن يختاروا اتِّباعَ هَديِ الله وإما أن يُعرِضوا فيتَّخِذَ واحدُهم إلهَهُ هواه.
ولقد علَّمَ آدمُ بَنيهِ أنَّ اللهَ تعالى قد وعدَ الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحاتِ أن يستخلفَهم ويُمكِّنَ لهم في الأرض (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (55 النور).
فالخليفةُ إذاً هو مَن استخلفَهُ اللهُ تعالى في الأرضِ وليس مَن نصَّبَ نفسَهُ على الناسِ خليفةً حرصاً منه على أن يكونَ الآمرَ الناهي الذي لا يُعصى لهُ أمرٌ! ولو أنَّ غُلاةَ المتطرفين تدبَّروا القرآنَ لتبيَّنَ لهم أنَّ الأمرَ هو خلافُ ما يتوهمون ويظنون! فاللهُ تعالى هو مَن جعلَ سيدَنا آدمَ في الأرضِ خليفة (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (من 30 البقرة)، واللهُ تعالى هو من جعلَ سيدَنا داودَ خليفةً في الأرض (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) (من 26 ص).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s