لماذا أخفقَ الخطابُ الإنشائي في الدعوةِ إلى سبيلِ اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحَسَنة؟

أمرَنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بأن ندعوَ إلى سبيلِهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وبأن نُجادِلَ المخالفينَ بالتي هي أحسن: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (من 125 النحل). ولقد بيَّنَ لنا اللهُ تعالى أنَّه قد اختصَّ نفسَه بـ “علمِ ما في القلوب” فلم يَقسِم لأحدٍ من البشرِ حظاً من هذا العلم: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين) (من 125 النحل). فما الذي فعلَه أولئكَ الذين أحسنوا الظنَّ بأنفسِهم فتوهَّموا أنَّهم أهلٌ لأن يدعوا الناسَ إلى سبيلِ الله؟! فهل دعا هؤلاءِ الناسَ إلى سبيلِ اللهِ “بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ”؟! وهل جادلوهم “بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”؟!
يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذه الأسئلةِ جميعاً أن نستذكرَ حالَ السوادِ الأعظمِ من “الدُّعاةِ إلى سبيل الله” مع اللهِ تعالى. فالقومُ لم يُتقِنوا غيرَ “خطابٍ إنشائي” قوامُهُ إسماعُ الخَّصمِ أو المُخالِفِ أو الراغبِ في التعلُّمِ ما يظنون أنَّه كافٍ لإقامةِ الحجةِ عليه أو لهِدياتِهِ إلى الطريقِ القَويم إن كان راغباً في اتِّباعِه. والخطابُ الإنشائي يستندُ في تكوينِهِ إلى ما يقومُ عليهِ الإنشاءُ (أي التعبير) من إسرافٍ في التوصيفِ، وذلك من دونِ أن يؤخذَ بنظرِ الاعتبارِ ما يقتضيهِ أمرُ الدعوةِ إلى سبيلِ الله من تحشيدٍ لكلِّ ما من شأنِهِ أن يُبيِّنَ الحُجَجَ التي ضمَّنَها اللهُ تعالى قرآنَه العظيم وكفلَ لكلِّ مَن يُحاجِجُ بها أن تكونَ له الكلمةُ العليا إن هو أوردَ هذه الحججَ مَوردَها الصحيح فلا يجعلُ شيئاً من نفسِه، أو هواهُ، يُخالطُها ليختلطَ بعدَها عليهِ الأمرُ قبل أن يختلطَ على الذي يُحاجِجُه.
فالدعوةُ إلى سبيلِ اللهِ تعالى لا تحتاجُ من القائمِ بها غيرَ أن يجعلَها خالصةً لوجهِ اللهِ تعالى مبرَّأةً من مخالطةِ النفسِ لها أو الهوى! ولو أنَّ السوادَ الأعظمَ من الدعاةِ إلى سبيلِ الله أتقنوا عملَهم الدَّعَوي، فلم يقصدوا به أحداً غيرَ الله ولم يبتغوا مرضاةَ أحدٍ سواه، ليسَّرَ لهم اللهُ السبيلَ إلى قلوبِ وعقولِ الناس ولجعلَ كثيراً منهم يسارعونَ إلى الدخولِ في دينِ اللهِ أفواجاً! ولكنَّ القومَ آثروا اتِّباعَ الهوى فكانَ حقاً على اللهِ تعالى أن يُعسِّرَ عليهم فلا يجعلَ خطابَهم الإنشائي هذا ينالُ من لدن المستمعينَ إليه غيرَ النفورِ والإعراض، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العلي العظيم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s