لماذا لم يصرف اللهُ تعالى عن آدمَ وسوسةَ الشيطانِ ليَحولَ بذلك دونَ أن يأكلَ من الشجرةِ التي نهاهُ عنها؟

خلقَ اللهُ تعالى آدمَ إنساناً في “أحسنِ تقويم”: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (4 التين). غيرَ أنَّ خِلقةَ “أحسنِ تقويمٍ” هذه لم تُحصِّن آدمَ فتجعله لا يسمعُ لوسوسةِ الشيطان. فاللهُ تعالى خلقَ آدمَ وزوَّدَه بما هو كفيلٌ بأن يُعينَه على ألا يُصغِيَ لوسوسةِ الشيطانِ إن هو أرادَ ذلك. فاللهُ تعالى لم يجعل للشيطانِ سلطاناً على آدمَ حتى نعزوَ عصيانَ آدمَ لأمرِ اللهِ تعالى بألا يأكلَ من الشجرةِ التي نهاهُ عنها إلى هذا “السلطان المزعوم”!
ويحقُّ لنا أن نتساءلَ عن العلةِ من وراءِ إحجامِ اللهِ تعالى عن “التدخُّلِ” ليصرِفَ عن آدمَ وسوسةَ الشيطانِ؛ فاللهُ تعالى “تدخَّلَ” فصرفَ عن سيدِنا يوسفَ السوءَ والفحشاء، و”تدخل” مرةً أخرى ليصرفَ عنه كيدَ النسوةِ من صاحباتِ امرأةِ العزيز! فلماذا لم يفعل اللهُ الشيءَ ذاتَه فيصرف عن آدمَ وسوسةَ الشيطان؟!
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ الشيطانَ ما “تدخَّل” في سيرِ أحداثِ أيٍّ من قصَصِ أنبياءِ اللهِ إلا وانقلبَ الأمرُ عليهِ وبما تجلَّى لاحقاً نصراً من اللهِ وفتحاً أيَّدَ بهما عبادَه الذين اصطفى! ويكفينا في هذا المقامِ أن نستذكرَ قصصَ سيدِنا موسى وسيدِنا يوسفَ عليهما السلام.
فإذا كان اللهُ تعالى قد دحضَ عملَ الشيطانِ وجعلَ سيدَنا موسى، الذي خرجَ من مصرَ مُطارَداً من بعدِ أن جعلَه الغضبُ يسمعُ لنزغِ الشيطان فيقتلُ “الذي هو من عدوِّه” بضربةٍ واحدة، يعودُ إلى مصرَ لِيقارعَ فرعونَ الطاغية وليخرجَ بعدها ببَني إسرائيلَ إلى سيناء، وإذا كان اللهُ تعالى قد أبطلَ عملَ الشيطانِ وجعلَ سيدَنا يوسفَ يصبحُ الحاكمَ الفعلي لمصر (أقوى امبراطورية في العالم القديم)، وذلك “من بعدِ أن نزغَ الشيطانُ بينه وبين إخوته”، أفلا يحقُّ لنا أن نخلصَ إلى نتيجةٍ مفادُها أنَّ اللهَ تعالى إذ لم “يتدخَّل” فيصرف عن آدمَ وسوسةَ الشيطان ليحولَ بذلك دون أن يأكلَ من الشجرةِ التي نهاه عنها، فإنَّ ذلك كان أمراً مُقدراً مقدوراً، وذلك حتى “يبلغَ” الإنسانُ بعبادتِهِ للهِ تعالى (هذه العبادةُ التي أوجبَها عليه اللهُ إن هو اختارَ أن يهتديَ بهُداه) ما لم يكن ليبلُغَهُ بشيءٍ آخرَ غيرِها؟!
فإذا كان اللهُ تعالى قد خلقَ آدمَ في “أحسنِ تقويم”، فإنَّ هذه الحقيقةَ لا تُجوِّزُ لنا الظنَّ بأن ليس هناك فوقَ مقامِ “أحسنِ تقويم” ما يَفضلُه ويفوقُه منزلةً من اللهِ تعالى وقربى إليه. فمقامُ “أحسنِ تقويم” هو ليس خاتمةَ المطافِ في العلاقةِ بين المخلوقِ والخالق وبين العبدِ والرب. فلا يزالُ العبدُ يعبدُ اللهَ فتُقرِّبُه عبادتُه من الله ويزدادُ بها منه قربى وإلى ما لا نهاية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s