لماذا سمَّى اللهُ تعالى في قرآنِهِ العظيم البيتَ الحرام ب “أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ”؟

نقرأُ في سورة آل عِمران، وفي الآيةِ الكريمة 96 منها، قولَه تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِين). فلماذا سمى اللهُ تعالى البيتَ الحرام بـ “أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ”؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤالِ أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى خيَّرَ الإنسانَ بين طريقَين لا ثالثَ لهما، وذلك من بعدِ ما تعيَّنَ على أبوَيهِ، آدمَ وزوجِه، أن يُغادرا الجنةَ ويعودا إلى الأرضِ التي خلقَهما اللهُ تعالى منها: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (36- 39 البقرة).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة، أنَّ اللهَ تعالى قد بيَّنَ سبيلَ الرُّشدِ الذي يتعيَّنُ على مَن شاءَ أن يتَّخذَ إلى ربِّهِ سبيلاً أن يسلكَه. ولقد اقتضى ذلك أن يُصارَ إلى تحديدِ المنهاجِ التعبُّدي الذي يكفلُ لكلِّ مَن شاءَ أن يؤمنَ باللهِ أن يتعبَّدَ اللهَ تعالى بمقتضاه. ومن بين هذه المفرداتِ التي فصَّلَها دينُ اللهِ، الذي علَّمَه اللهُ لأبينا آدم، بناءُ بيتٍ سمَّاهُ اللهُ “البيتَ الحرام”.
ولقد شرعَ المؤمنونَ بدينِ الله في التعبُّدِ للهِ عندَ بيتِهِ الحرام منذ أيامِ أبينا آدم وحتى انقضى من الزمانِ ما كان كفيلاً بأن يجيءَ خَلَفٌ غيرُ صالحٍ أشركوا باللهِ واتَّخذوا لهم آلهةً من دونه. ثم كان أن أصابَ شُبهَ الجزيرةِ العربية ما أصابَها فجعلَ ما كان بالأمسِ جناتٌ وحدائقُ غناء، تُصبِحُ أرضاً بوراً قفراء مما اقتضى أن يرتحلَ الناسُ بعيداً عن بيتِ الله. وتوالت الأعوامُ والسنون واندرست آثارُ بيتِ اللهِ الحرام، حتى قيَّضَ اللهُ تعالى لبيتِه الحرام سيدَنا إبراهيم الذي بوَّأَ له مكانَه فعرَّفه حيث هو كائنٌ: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ) (من 26 الحج). فكانَ أن شرعَ سيدُنا إبراهيم وسيدُنا إسماعيل بإزالةِ ما كان قد تراكمَ من الرمالِ عن بيتِ اللهِ الحرام لتظهرَ بعدها أُسُسُه العتيقةُ وقواعدُه، مما استدعاهما أن يرفعا قواعدَ له جديدة: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) (من 127 البقرة).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s