في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا”

نقرأُ في سورةِ البقرة، وفي الآيةِ الكريمة 83 منها، قَولَ اللهِ تعالى (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا). فكيفَ “نقولُ للناسِ حُسناً”؟ ولماذا أمرَنا اللهُ تعالى بأن “نقولَ للناسِ حسناً”؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذين السؤالين أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ لكلمتَين قرآنيتَين أن يكونَ لهما ذاتُ المعنى وإن تباينَ مبناهما فلم يكن لهما ذاتُ المبنى. ومثالٌ على ذلك كلمتا “حُسناً” و”إحساناً”. فهاتانِ الكلمتانِ القرآنيتانِ متباينتانِ في المبنى متطابقتانِ في المعنى، وهذا ما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآيتَينِ الكريمتَين التاليتَين: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) (من 8 العنكبوت)، (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) (من 15 الأحقاف). فـ “الحُسنُ” و”الإحسانُ” في القرآنِ العظيم هما الشيءُ ذاتُه.
ولقد فصَّلَ اللهُ تعالى ما يقتضيهِ الأمرُ حتى يوصفَ العملُ بـ “الحُسنِ”، وذلك في الآيتَين الكريمتَين التاليتَين: (يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ. إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) (من 10- 11 النمل).
ولقد بيَّنَ القرآنُ العظيم تفاصيلَ أخرى لابدَّ من أن يستوفيَها العملُ حتى يوصفَ بأنَّ مَن قامَ به قد “اقترفَ حُسناً”. فالإحسانُ في القرآنِ العظيم هو ما يُقوِّمُ العملَ فيجعلُ صاحبَه قد اقترفَ حُسناً. والإحسانُ في القرآنِ العظيم ليس بالأمرِ اليسير، إذ لا تقومُ للإحسانِ قائمةٌ حتى يجيءَ العملُ خالصاً لوجهِ اللهِ تعالى مُبرَّءاً من أيِّ مخالطةٍ من النفسِ وممازجَةٍ من هَواها. وهذا أمرٌ جَلَلٌ لا يقوى على إتقانِهِ على الوجهِ الذي يُرضي اللهَ تعالى إلا مَن كان دأبُهُ ألاَّ يقابلَ الإساءةَ بمثلِها أو بأسوءِ منها. ولذلكَ أمرَ اللهُ تعالى بالإحسانِ فجعلَه رديفَ العدلِ وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآيةِ الكريمة 90 من سورةِ النحل (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
ويتبيَّنُ لنا ذلك جَلياً في أمرِ اللهِ تعالى بأن “نقولَ للناسِ حُسناً”. فتحكيمُ أمرِ اللهِ تعالى هذا في سلوكياتِنا اليومية، وفي معاملتِنا للآخرين، يتطلَّبُ منا تحكُّماً في أهوائنا وسيطرةً عليها وبما لا يُمكِّنُها من أن تنفردَ بلسانِنا وتُسخِّرَ عقلَنا ليُسوِّغَ لنا أن نُسيءَ إلى مَن أساءَ إلينا. وهذا التحكيمُ لا يقوى عليهِ مَن كان منا ميالاً إلى هَواه موافقاً لنفسِهِ على الدوام! ولذلك أمرَنا اللهُ تعالى بأن “نقولَ للناسِ حُسناً” حتى نُصبحَ من عبادِه “المحسنين” الذين “أحسنوا” إذ جعلوا دَأبَهم وديدَنهم ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ ولو اقتضى الأمرُ منهم أن يكونوا من الكاظمينَ الغيظَ والعافينَ عن الناس والذين امتدحَهم اللهُ تعالى بقولِهِ (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (من 134 آل عمران). فعبادُ اللهِ تعالى هؤلاء هُم الذين “أحسنوا”، وهُم الذين قالَ فيهم قرآنُ اللهِ العظيم: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (من 26 يونس)، (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) (من 31 النجم).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s