لماذا لا يجوزُ لنا أن نُحرِقَ كُتُبَ المخالفين حتى ولو كانوا من الكافرين؟

الإنسانُ مخلوقٌ عدوانيٌّ جُبِلَ على الظُّلمِ والطغيان: (وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (من 72 الأحزاب)، (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى) (6 العلق). وطغيانُ الإنسانِ حقيقةٌ يشهدُ لها ماضيهِ وحاضرُه! وعدوانيةُ الإنسانِ “المنفرطة” هي التي تجعلُه لا يألو جهداً في إبداعِ وابتداعِ ما يؤمِّنُ له سياقاتٍ وقنواتٍ يُصرِّفُ عبرَها بعضاً من هذه العدوانيةِ التي لا يُضارِعُها في عالَمِ الحيوانِ نظيرٌ ولا مثيل!
وإلا فهل بمقدورِ أولئك الذين يُغالونَ في تعظيمِ الإنسانِ وتقديرِه أن يُنكِروا الحقيقةَ التي مفادُها أنَّ صفحاتِ التاريخِ تزخرُ بما ليس باليسيرِ إحصاؤهُ وتذكُّرُه من أمثلةٍ تشهدُ للإنسانِ بهذا الذي هو عليه من “عدوانيةٍ منفرطةٍ” وطغيان؟! وهل بوسعِ هؤلاءِ أن يغضُّوا الطرفَ عما تحملُه إلينا وسائلُ الإعلامِ كلَّ لحظةٍ من أنباءِ هذا العدوانِ والطغيانِ؟! ويخطئُ كلُّ مَن يظنُّ ويتوهَّمُ أنَّ هذا الذي يتمايزُ به الإنسانُ عن الحيوان من طغيانٍ وعدوان يخصُّ زماناً بِعَينِه أو عِرقاً أو جِنساً أو ثقافةً أو معتقداً فلا يتعدَّاهُ!
ولنأخذ مثالاً على ذلك ما يُنادي به متطرِّفو هذا الزمانِ من وجوبِ إحراقِ أيِّ كتابٍ فيهِ ما يتعارضُ مع ما قدَّروا أنَّه “الحقُّ الذي لا يُخالفُه إلا ضالٌّ أو مبتدع”! فإحراقُ كتبِ المخالفين أمرٌ دأبَ على القيامِ به سوادُ بَني آدمَ الأعظمُ منذ أن تأتَّى للإنسانِ أن يُدوِّنَ أفكارَه على رَقٍّ أو صحيفةٍ أو في كتاب! وكلٌّ يزعمُ أنَّه إنَّما يذودُ عن العقيدةِ ويدفعُ عن بسطاءِ الناسِ غوائلَ المخالفين! فهل سلمت مكتبةٌ في غابرِ الأزمانِ من التحريقِ حتى تسلمَ كتبُ المخالفين في هذا الزمانِ من دعواتِ المحرِّضينَ على تحريقِها؟!
لقد فاتَ متطرفي هذا الزمانِ أن يستذكروا أنَّهم بهذه الدعواتِ الفاسقةِ الماجنة إنما يُناصبونَ قرآنَ اللهِ العظيم العداء! أفلا يشتملُ القرآنُ العظيم على مئاتِ الآياتِ التي حفظت لنا أقوالَ أولئك الذين كفَّروا أنبياءَهم؟! ألسنا نجدُ في القرآنِ العظيم حُجَجَ المعترضين على رسالاتِ أنبياءِ اللهِ تعالى؟! أليس من بينِ هذه الحُجَجِ ما سوَّغَ بها أصحابُها لرفضِهم أن يؤمنوا باللهِ الواحدِ الأحد وبيومِ البعث؟! ثم ألسنا نجدُ في القرآنِ العظيم من الآياتِ ما حفظت لنا أقوالَ الشيطانِ الرجيم؟!
إنَّ إحراقَ كتبِ المخالفين، حتى ولو كانوا من الكافرين، سينجمُ عنه ما من شأنِه أن يسلبَنا الفرصةَ لنُمايزَ بين الباطلِ الذي تشتملُ عليه وبين الحقِّ الذي جاءنا به القرآنُ العظيم! وإحراقُ كتبِ المخالفين بعدُ، حتى وإن كانوا من الكافرين، إنما يشيرُ إلى ضعفٍ عقائديٍّ يكتنفُ الداعين إليه! فلو كان المرءُ موقِناً باللهِ حقَّ الإيقانِ، فلن يخافَ على إيمانِه أن تنالَ منه أفكارُ المخالفين، حتى وإن كانوا من الكافرين!
وأما تخوُّفُ الداعين إلى تحريقِ كتبِ المخالفين من أن تؤثِّرَ سَلباً في عقولِ البسطاءِ من الناس، فإنَّما يدلُّ على تقصيرِهم في الذَّودِ عن دينِ اللهِ تعالى الذي لو أنَّهم أقاموهُ حقاً لَيسَّرَ اللهُ تعالى لهم السبيلَ إلى عقولِ وقلوبِ هؤلاءِ الناسِ ولأعانوهم على تمييزِ الباطلِ من الحقِّ وتبيُّنِ سبيلِ الرُّشدِ فلا يحيدونَ عنه أبداً!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s