في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ”

تُخفِقُ “المقاربةُ التأويلية” للقرآنِ العظيم في الإحاطةِ بالمعنى الذي تنطوي عليه آياتُه الكريمة، وذلك طالما كانت هذه المقاربةُ تعتمدُ وسيلةً لم يُيَسِّر اللهُ تعالى لها أن تكونَ السبيلَ لتَبيُّنِ هذا المعنى. وتقومُ هذه الوسيلةُ على أساسٍ من التحرُّرِ والانعتاقِ مما يفرضُه النَصُّ القرآنيُّ على متدبِّرِه من “معنى” قد يجدُ “المنطقُ العقلي” صعوبةً جمة في تقبُّلِه ناهيكَ عن القبولِ به! ولقد نجمَ عن هذه المقاربةِ غيرِ الموفقة لقرآنِ اللهِ العظيم أن أصبحَ بين أيدينا “تفسيرٌ تأويلي” لكثيرٍ من الآياتِ القرآنيةِ اضطُررنا معه إلى القولِ بما يتعارضُ مع “المعنى” الذي تنطوي عليه هذه الآيات!
وفي هذا المنشور سوف أتطرقُ إلى مثالٍ يكشفُ تدبُّرُه النقابَ عن بعضٍ من “التجاوزاتِ” التي تكتنفُ هذه المقاربة. لنتدبَّر قولَ اللهِ تعالى في الآية الكريمة 15 من سورةِ القمر (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ). فهذه الآيةُ الكريمةُ تنصُّ صراحةً على أن سفينةَ سيدِنا نوح قد أبقاها اللهُ تعالى آيةً لا يملكُ مَن يتدبَّرُها غيرَ أن يُقِرَّ باستحالةِ أن يكونَ هنالك أحداً غيرُ اللهِ تعالى بمقدورِه أن يجعلَها تستقرُّ فوقَ الجبلِ الذي استوت عليه بعد أن قُضِيَ الأمرُ (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) (من 44 هود).
ولقد شدَّدَ القرآنُ العظيم على “إبقاءِ” اللهِ تعالى لسفينةِ سيدِنا نوح صامدةً في وجهِ عادياتِ الزمن، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) (15 العنكبوت).
2- (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً) (من 37 الفرقان).
3- (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُون) (41 يس).
4- (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ. لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) (11- 12 الحاقة).
فتدبُّرُ هذه الآياتِ الكريمة سوف ينتهي بنا لا محالةَ إلى أنَّ اللهَ تعالى يُشيرُ فيها إلى كيانِ سفينةِ سيدِنا نوح وليس إلى قصتها، وذلك كما يزعمُ البعض. فالقائلونَ بأنَّ إبقاءَ اللهِ تعالى على سفينةِ سيدِنا نوح إنما كان ببقاءِ ذكرِها ودوامِ الحديثِ عنها على ألسنِ الناس. وهذا “تأويلٌ” يتعارضُ مع صريحِ نَصِّ القرآنِ العظيم الذي يؤكدُ أنَّ اللهَ تعالى أبقى سفينةَ سيدِنا نوح للناسِ آية بألواحِها ودُسُرِها: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) (13 القمر).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s